"هذه عائلتي... لكنها ليست أنا"
حين يظهر مايكل كورليوني للمرة الأولى في "العراب"، لا يبدو أنه ينتمي إلى هذا العالم. يجلس مرتدياً بزته العسكرية إلى جانب حبيبته كاي آدمز، ويشير إلى الرجال الواقفين حول والده قائلاً: "هذه عائلتي، لكنها ليست أنا". في تلك اللحظة، أراد فرانسيس فورد كوبولا أن يقول للمشاهد إن هذا الشاب ليس وريث المافيا. إنه أميركي طبيعي، خدم في الجيش ويحلم بحياة بعيدة عن عالم السلاح والاغتيالات، ويريد أن يبني مستقبله بنفسه لا أن يرث إمبراطورية أبيه.
على بعد آلاف الكيلومترات، كان هناك شاب آخر يعيش قصة قريبة جداً. يتوقع أن بشار قال لأسماء هذه العبارة في حفل الاستقبال الذي أقيم بالسفارة في لندن. "هذه عائلتي، ليست أنا". كان بشار طبيب عيون يتابع اختصاصه في لندن. لم يكن قائداً عسكرياً مثل باسل، ولم يكن نجماً في الإعلام الرسمي، ولم يكن يدير أجهزة الأمن، ولا حتى جزءاً من الدائرة السياسية اليومية داخل دمشق. كان "ابن الرئيس" يعيش حياة تكاد تكون عادية، ولم يخطر ببال السوريين أن هذا الطبيب "الهادئ" سيكون رئيس الجمهورية يوماً.
لم يُخلق مايكل ليكون زعيم المافيا. ولم يُعدّ بشار ليكون وريث "الجملوكية". لكن القدر، في القصتين، كان أقوى من الرغبات الشخصية. في الأدب، كثيراً ما يصنع الموت بطلاً جديداً. لم يختر مايكل السلطة، لكنها اختارته. ولم يختر بشار الرئاسة، لكنها جاءت إليه بعد موت الوريث. وهنا تكمن أولى المفارقات الكبرى في القصتين. فكلا الرجلين دخل الحكم باعتباره "الخيار الثاني"، لكن التاريخ سيجعل كلاً منهما الوجه الحقيقي للعائلة.
حين يصبح الهادئ أكثر قسوة
في البداية، ظن الجميع أن مايكل سيكون مختلفاً عن أبيه، وربما أكثر رحمة. كان هادئاً، قليل الكلام، لا يتصرف باندفاع شقيقه ساني، ولا يرفع صوته مثل بقية رجال العائلة. واحدة من أعظم المفارقات، فأكثر الأبناء هدوءاً سيصبح أكثرهم قسوة. لم يكن مايكل يقتل بالغضب، بل بالحسابات الباردة. كان يبتسم قبل أن يأمر بالقتل، ويصافح الرجل قبل أن يرسله إلى موته. ومع كل قرار، كان يقنع نفسه بأنه لا يفعل ذلك إلا لحماية العائلة والأب، حتى انتهى به الأمر إلى تدميرها.
حين بدأت الاحتجاجات في درعا في 2011، وقف النظام أمام مفترق طرق تاريخي. كان يمكن أن يختار إصلاحات واسعة. لكنه اختار طريقاً آخر. المواجهة والدم والغاز القاتل
بشار طبيب عيون بعينين زرقاوين. يتحدث بهدوء، يبتسم ويخطب. نحيل وطويل. يصافح ضيوفه ببرود الإنجليزي الذي اكتسبه خلال سنوات دراسته في لندن. عندما تسلم السلطة عام 2000، لم يكن الانطباع السائد أنه سيعيد إنتاج نظام والده. على العكس تماماً. كان شاباً درس في الغرب، ويتحدث عن الإنترنت والإدارة الحديثة والتكنولوجيا، وتداولت الصحف الغربية تعبيراً جديداً هو "الجيل الجديد". شهدت الأشهر الأولى ما عُرف لاحقاً بـ"ربيع دمشق". افتُتحت المنتديات السياسية، وبدأ المثقفون يناقشون الإصلاح، وظهرت لغة جديدة في الإعلام، وظن كثيرون أن سوريا تتجه نحو تحول تدريجي.
لكن تلك المرحلة لم تدم طويلاً. أُغلقت المنتديات، واعتُقل ناشطون ومثقفون، وعادت الأجهزة الأمنية إلى الواجهة. كان السؤال الذي طرحه كثيرون آنذاك: هل انتصر "الحرس القديم" على الرئيس الشاب؟ أم إن الرئيس نفسه اقتنع بأن بقاء النظام أهم من أي إصلاح؟
لا يقدم التاريخ جواباً واحداً. لكن النتيجة كانت واضحة. مايكل الذي وعد كاي بحياة مختلفة انتهى أكثر ارتباطاً بإمبراطورية والده. وبشار الذي تحدث عن الإصلاح انتهى أكثر ارتباطاً بالمنظومة التي بناها الأسد-الأب. السنوات كشفت مفارقة قاسية. الوجه الهادئ لم يمنع ممارسة عنف هائل باسم "الدولة". ظل يحافظ على صورة الرئيس الهادئ حتى في ذروة الحرب، بينما كانت أجهزة الدولة التي يقودها تُتهم بارتكاب حملات قمع واسعة وعمليات قتل واعتقال وتعذيب على نطاق غير مسبوق. لم يكن التحول في المظهر، بل في استخدام السلطة. فالهدوء لم يكن نقيض العنف، بل غطاء له. كان بشار يشاهد من نافذة قصره في قاسيون طائراته تقصف أطراف دمشق، كما لو أنه يشاهد فيلما... هو "العراب".
حين بدأت الاحتجاجات في درعا في 2011 ثم امتدت إلى مدن أخرى، وقف النظام أمام مفترق طرق تاريخي. كان يمكن أن يختار إصلاحات واسعة، أو يذهب إلى تسوية سياسية مبكرة، أو يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. لكنه اختار طريقاً آخر. المواجهة والدم والغاز القاتل.
هنا يعود "العراب" مرة أخرى. لم يكن مايكل أكثر عنفاً لأنه يحب العنف، بل لأنه أقنع نفسه بأن كل شيء مباح إذا كان الهدف حماية العائلة. وهذه هي الفكرة التي حكمت أيضاً سلوك بشار "الهادئ". فكل خطوة كانت تُقدم باعتبارها دفاعاً عن "الدولة". لكن شيئاً فشيئاً، أصبح من الصعب التمييز بين الدولة والنظام، ثم بين النظام والعائلة.
حين تصبح الدولة هي العائلة
من أشهر عبارات "العراب" أن "الأعمال ليست شخصية، إنها أعمال فقط". لكن الفيلم كله يثبت العكس. فكل قرار يتخذه آل كورليوني يعود في النهاية إلى سؤال واحد: هل يحمي العائلة؟
إذا كانت الإجابة نعم، يصبح كل شيء مباحاً. التحالف، والخيانة، والقتل، والعفو، وحتى الحب والزواج، كلها تتحول إلى أدوات لحماية السلالة. هذه ليست فلسفة المافيا وحدها، بل هي أيضاً فلسفة "نظام الأسد". فالفرق بين الدولة الحديثة والدولة العائلية لا يكمن في وجود دستور أو حكومة أو جيش، بل في السؤال الذي يُطرح قبل اتخاذ القرار.
كانت المؤسسات موجودة، لكنها لم تكن المكان الذي تُصنع فيه السياسة. فالقرار لم يكن يخرج من المكتب بقدر ما كان يخرج من غرفة الجلوس، ومن مائدة الطعام، ومن الدائرة الضيقة التي لا يدخلها إلا أفراد الأسرة
في الدولة الحديثة يكون السؤال: ما الذي يخدم الدولة؟ أما في الدولة العائلية فيصبح السؤال: ما الذي يخدم العائلة؟
وهنا تحديداً، تبدو سوريا في عهد الأسد أقرب إلى "العراب" مما تبدو إلى أي نموذج "جمهوري" آخر خصوصا أنها انتقلت من الأب إلى الابن. فالجيش لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية، والأجهزة الأمنية لم تكن مجرد مؤسسات تنفيذية، والاقتصاد لم يكن مجرد سوق، بل كانت جميعها أجزاءً من شبكة واحدة تدور حول مركز واحد هو العائلة. ولم يكن ذلك ينعكس في الأشخاص فقط، بل في المكان الذي تُصنع فيه القرارات.
في "العراب"، لم يكن المكتب الرسمي أو المحكمة أو البلدية هي مركز السلطة الحقيقي، بل منزل آل كورليوني في لونغ آيلاند. هناك كانت تُعقد الاجتماعات، وتُحسم التحالفات، وتُتخذ القرارات التي تغيّر مصير العائلات الخمس، قبل أن يعرف بها أحد خارج أسوار المنزل.
وفي سوريا، تحدث كثير من المسؤولين السابقين والدبلوماسيين الذين تعاملوا مع النظام عن أن القرارات الكبرى لم تكن تُصاغ دائماً داخل مجلس الوزراء أو المؤسسات الرسمية، بل كانت تُحسم داخل منزل "السيد الرئيس"، ثم لاحقاً داخل الدائرة العائلية. حتى ترتيبات انتقال الحكم من حافظ الأسد إلى بشار، تمت في منزل العائلة في وسط دمشق، وليس في مقر الحزب أو الحكومة أو الجيش. أقرت الترتيبات ونفذتها المؤسسات الأخرى وأعلنها "البرلمان". وهكذا لم يكن القصر الجمهوري مجرد مقر للرئاسة، بل كان امتداداً لبيت العائلة، تماماً كما لم يكن منزل آل كورليوني مجرد منزل، بل مركز السلطة الحقيقي الذي تدور حوله الإمبراطورية.
هنا يلتقي الفيلم مع الواقع مرة أخرى. ففي الحالتين، كانت المؤسسات موجودة، لكنها لم تكن المكان الذي تُصنع فيه السياسة. فالقرار لم يكن يخرج من المكتب بقدر ما كان يخرج من غرفة الجلوس، ومن مائدة الطعام، ومن الدائرة الضيقة التي لا يدخلها إلا أفراد الأسرة ومن يحظون بثقتها المطلقة وحين يصبح البيت هو مقر السلطة، تصبح الخلافات العائلية شأناً وطنياً، ويصبح زواج أحد الأبناء أو وفاة أحد الورثة أو خلاف بين شقيقين حدثاً سياسياً ينعكس على دولة بأكملها.
الأخ... رجل القوة
في كل إمبراطورية، هناك من يحكم، وهناك من يحمل السلاح. في "العراب"، كان ساني يمثل القوة المباشرة، وبعد موته احتاج مايكل دائماً إلى رجال ينفذون ما لا يستطيع هو القيام به بنفسه. كان هو العقل، وكان الآخرون الأذرع.
إذا كان موت ساني قد صنع مايكل، فإن موت باسل لم يصنع بشار وحده، بل صنع أيضاً آصف شوكت. بعد سنوات قليلة، أصبح الرجل أحد أهم المسؤولين الأمنيين في سوريا
وفي سوريا، كان حافظ العقل ورفعت الذراع، وأدى ماهر الأسد هذا الدور لبشار. لم يكن رئيساً، لكنه أصبح مع السنوات أحد أكثر الرجال نفوذاً داخل النظام. قاد "الفرقة الرابعة" التي تحولت إلى أكثر تشكيلات الجيش نفوذاً وتسليحاً وتأثيراً، وارتبط اسمها خلال الحرب بأهم العمليات العسكرية. ومع مرور الوقت، بدأ المراقبون يتحدثون عن بنية سلطة تقوم على ثلاثة أعمدة: الرئيس، والأجهزة الأمنية، و"الفرقة الرابعة". ولم يكن وجود ماهر مجرد وجود أخ للرئيس، بل أصبح مركز قوة قائماً بذاته داخل المنظومة. وهنا يظهر اختلاف مهم عن "العراب". ففي الفيلم، مات الأخ الأكبر قبل أن يصبح شريكاً في الحكم، أما في سوريا فقد بقي الأخ الأصغر لاعباً رئيساً حتى النهاية. ومع ذلك، تبقى الفكرة واحدة. في العائلات التي تحكم، لا يكون الإخوة مجرد أقارب، بل يصبحون جزءاً من توازن السلطة نفسه.
الصهر الذي يدخل العائلة ولا يصبح منها
من أكثر شخصيات "العراب" إثارة للاهتمام ليس دون فيتو كورليوني، ولا مايكل، ولا ساني، بل كارلو ريتزي. الصهر. الرجل الذي دخل العائلة بالزواج. كان قريباً بما يكفي ليعرف أسرارها، لكنه لم يكن قريباً بما يكفي ليجلس إلى طاولة القرار. ظل دائماً على الهامش. ولهذا أصبح الحلقة الأضعف. استغلته العائلات المنافسة للوصول إلى ساني، ثم تخلت عنه عندما انتهى دوره.
وفي النهاية، اكتشف مايكل أنه شارك في استدراج شقيقه إلى الموت. استدعاه، وصافحه، وطمأنه، ثم خرج كارلو من الباب ليُقتل داخل السيارة. لم يكن المشهد عن الانتقام فقط، بل عن رسالة واضحة. المصاهرة لا تمنح العضوية الكاملة. ربما كان قد حصل لو أن التاريخ غير صفحاته، لو أن باسل بقي حيا وآصف تزوج بشرى قبل وفاة شقيقها الوريث. مع ذلك، فإن السنوات المقبلة ستحمل شيئا من هذا القبيل وتأخذ آصف إلى قبره.
يصعب قراءة سيرة آصف شوكت من دون أن يستحضر القارئ شخصية كارلو ريتزي، مع اختلافات جوهرية بين الشخصيتين. فشوكت لم يخن عائلة الأسد، ولم يلعب الدور الذي لعبه كارلو، لكن مجرد دخوله العائلة أثار التوتر نفسه الذي يخلقه كل صهر يدخل بيتاً تُدار فيه السلطة. كان ضابطاً طموحاً، وتعرف إلى بشرى الأسد. لكن العلاقة لم تكن موضع ترحيب.
تشير معظم الروايات إلى أن باسل الأسد رفض هذا الزواج بشدة، ليس لأسباب عاطفية، بل لأن الزواج في العائلات الحاكمة لا يكون شأناً شخصياً، ولكنه قرار يتعلق بالسلطة. فالصهر لا يدخل البيت فقط، بل يدخل إلى قلب النظام، ويصبح مطلعاً على أسراره، ويكتسب شرعية لا تأتي من منصبه، بل من المصاهرة. وتقول روايات عديدة إن باسل استخدم نفوذه لمنع العلاقة، بل إن شوكت تعرض للاحتجاز وإطلاق النار من باسل، قبل أن يتزوج بشرى بعد وفاته. وهكذا لم يغيّر موت باسل اسم الرئيس المقبل فقط، بل غيّر أيضاً خريطة التحالفات داخل العائلة نفسها."هذه عائلتي... لكنها ليست أنا"