الصعود بعد وفاة الوريث
إذا كان موت ساني قد صنع مايكل، فإن موت باسل لم يصنع بشار وحده، بل صنع أيضاً آصف شوكت. بعد سنوات قليلة، أصبح الرجل أحد أهم المسؤولين الأمنيين في سوريا. تولى رئاسة الاستخبارات العسكرية، ثم أصبح نائباً لرئيس هيئة الأركان، وعضواً في خلية إدارة الأزمة التي أدارت الحرب خلال سنواتها الأولى. كان ذلك يعني شيئاً واحداً: لقد دخل إلى الحلقة الأضيق في النظام.
كما اعتقدت كاي أن مايكل سيخرج من عالم المافيا، اعتقد كثيرون أن أسماء ستساعد بشار على إخراج سوريا من إرث حافظ الأسد. لكن السنوات أثبتت أن السلطة لا تتغير بسهولة
لكن دخوله لم يُنهِ الشكوك، بل ربما زادها. فالرجل الذي دخل عبر الزواج بقي، في نظر كثيرين، وافداً على العائلة مهما علا منصبه. ولهذا لم تتوقف الروايات عن الحديث عن التوترات داخل البيت الرئاسي. كما بقيت العلاقة بينه وبين ماهر الأسد موضوعاً دائماً للتكهنات. ثم جاءت النهاية الدرامية. في يوليو/تموز 2012، دوى انفجار داخل مبنى الأمن القومي في دمشق، فقُتل آصف شوكت مع عدد من كبار المسؤولين. أعلنت المعارضة مسؤوليتها عن العملية، لكن الروايات لم تتوقف عند الرواية الرسمية. ظهرت فرضيات عن اختراق أمني، وأخرى عن صراعات داخلية، وثالثة عن حسابات لم يُكشف عنها. كما انتشرت روايات أن بشرى الأسد حمّلت بعض أركان النظام، بل وشقيقها بشار في نظر بعض الروايات، مسؤولية ما حدث لزوجها، قبل أن تغادر سوريا لاحقاً. ولم تثبت تلك الروايات بصورة قاطعة، لكنها عكست حقيقة مهمة؛ وهي أن الأنظمة المغلقة تنتج دائماً أساطيرها الخاصة، لأن الحقيقة تبقى حبيسة الجدران. وهنا يعود "العراب" مرة أخرى. في الفيلم، يعرف المشاهد من قتل، ومن خان، ولماذا حدث كل شيء. أما في الأنظمة المغلقة، فتبقى الحقيقة أسيرة البيت الذي صُنعت فيه السلطة، وقد تموت مع أصحابها.
أسماء الأسد... حين تدخل كاي آدمز إلى القصر الجمهوري
من أكثر الشخصيات التي أسيء فهمها في "العراب" شخصية كاي آدمز. ينظر إليها كثيرون باعتبارها زوجة مايكل كورليوني، لكنها في الحقيقة تؤدي وظيفة أكبر بكثير. فهي تمثل العالم الطبيعي الذي حاول مايكل أن ينتمي إليه قبل أن تبتلعه العائلة. في بداية الفيلم، تبدو كاي مقتنعة بأن الرجل الذي تحبه مختلف عن بقية أفراد آل كورليوني. وحين يشير مايكل إلى والده وإخوته قائلاً: "هذه عائلتي، لكنها ليست أنا"، تصدقه. تصدق أن بإمكانه أن يعيش حياة أميركية عادية، وأن يتخلص من إرث الدم والسلاح. لكن في كل مرة يقترب فيها مايكل من السلطة، يبتعد خطوة عن كاي. وفي كل مرة ينجح في حماية العائلة، يخسر جزءاً من حياته الشخصية وعندما تصل كاي إلى القناعة بأن زوجها لم يعد الرجل الذي تزوجته، تدرك أن المشكلة ليست فيه وحده، بل في المنظومة التي ابتلعته.
ليست أسماء الأسد نسخة من كاي آدمز، لكن موقعها داخل الرواية السورية يشبهها إلى حد بعيد. حين ظهرت أسماء إلى جانب بشار عام 2000، قدمها النظام باعتبارها وجه سوريا الجديدة. امرأة شابة، ولدت في لندن، درست الاقتصاد، وعملت في القطاع المالي، وتتحدث الإنجليزية بطلاقة، وتبدو أقرب إلى النخب الأوروبية منها إلى الصورة التقليدية لزوجات الرؤساء في الشرق الأوسط. كان الغرب مفتوناً بهذه الصورة. وصفتها مجلات عالمية بأنها "وردة الصحراء"، ورأى فيها كثيرون دليلاً على أن "الرئيس الإصلاحي" يريد أن يقطع مع الماضي. وكما اعتقدت كاي أن مايكل سيخرج من عالم المافيا، اعتقد كثيرون أن أسماء ستساعد بشار على إخراج سوريا من إرث حافظ الأسد. لكن السنوات أثبتت أن السلطة لا تتغير بسهولة. لم تتحول العائلة إلى دولة بسبب أسماء، ولم تستطع أسماء أن تحول الدولة إلى مؤسسة. بل حدث العكس.
يجمع كثير ممن عرفوا العائلة أن أنيسة كانت المرجعية التي يلجأ إليها الأبناء، وأنها سعت إلى احتواء الخلافات داخل البيت، خصوصاً بعد وفاة باسل، ثم خلال السنوات الأولى من انتقال السلطة إلى بشار
ابتلع النظام العائلي أسماء الأسد، كما ابتلعت عائلة كورليوني كاي آدمز. ومع اندلاع الحرب، تغيرت صورتها جذرياً. لم تعد تمثل مشروع الإصلاح، بل أصبحت جزءاً من مركز القرار، واتسع نفوذها الاقتصادي والسياسي، خصوصاً بعد تراجع رامي مخلوف وصعود شبكات مالية جديدة تدين بالولاء للقصر الجمهوري. وهكذا تحولت من زوجة للرئيس إلى أحد أعمدة المنظومة.
أنيسة الأسد... كارميلا التي حافظت على البيت
لكن قبل أسماء الأسد، كانت هناك امرأة أخرى لعبت دوراً مختلفاً تماماً داخل العائلة. فإذا كانت أسماء تمثل الوجه العام للنظام، فإن أنيسة كانت تمثل قلبه الداخل ونافستها على لقب "السيدة الأولى". لم تكن زوجة حافظ الأسد شخصية سياسية بالمعنى التقليدي، ولم تظهر كثيراً في الإعلام، لكنها أدت دوراً لا يقل أهمية في الحفاظ على تماسك الأسرة، تماما كما فعلت ناعسة خلال "صراع الشقيقين" ولديها حافظ ورفعت. ويجمع كثير ممن عرفوا العائلة أن أنيسة كانت المرجعية التي يلجأ إليها الأبناء، وأنها سعت إلى احتواء الخلافات داخل البيت، خصوصاً بعد وفاة باسل، ثم خلال السنوات الأولى من انتقال السلطة إلى بشار.
ويصعب هنا أن لا نتذكر كارميلا كورليوني، زوجة فيتو كورليوني، التي لم تكن شريكة في إدارة الإمبراطورية، لكنها كانت تمسك بخيوط البيت الذي خرجت منه الإمبراطورية. ففي العائلات التي تحكم، لا تُمارس السلطة كلها من وراء المكاتب. بعضها يُمارس حول مائدة الطعام، وفي الجلسات العائلية، وفي القدرة على إبقاء الأسرة متماسكة عندما تبدأ السلطة نفسها بتمزيقها.
الخال وابن الخال... الخازن المالي
لكل عضو في العائلة دور يحدد بحكم قربه. "الخال" محمد مخلوف ثم "ابن الخال" رامي مثّلا جناحها المالي. فكما أسند دون فيتو كورليوني إدارة الملفات المختلفة إلى رجال يثق بهم، فكان هناك من يدير السياسة، ومن يتولى القوة المسلحة، ومن يعقد الصفقات، احتاجت عائلة الأسد إلى رجل يجمع خيوط المال والاستثمارات والامتيازات الاقتصادية. وأدى آل مخلوف هذا الدور طوال سنوات، حتى تحولوا إلى الخازن المالي للعائلة والواجهة الاقتصادية للنظام.
في "العراب"، بقيت الثروة موزعة بين نشاطات العائلة المختلفة، ولم يتحول رجل واحد إلى إمبراطورية اقتصادية مستقلة. أما في سوريا، فقد تركز جزء كبير من الاقتصاد في أيدي آل مخلوف، حتى بدا وكأنه الوجه المالي للعائلة
لكنّ ثمة فرقاً مهماً. ففي "العراب"، بقيت الثروة موزعة بين نشاطات العائلة المختلفة، ولم يتحول رجل واحد إلى إمبراطورية اقتصادية مستقلة. أما في سوريا، فقد تركز جزء كبير من الاقتصاد في أيدي آل مخلوف، حتى بدا في بعض المراحل وكأنه الوجه المالي للعائلة كلها. وعندما قرر بشار الأسد تحجيمه بعد عام 2019، لم يكن الخلاف مجرد نزاع على المال، بل كان تذكيراً بأن الثروة، مثل السلطة، ليست ملكاً لأحد أفراد العائلة، بل ملك للسلالة التي تستطيع إعادة توزيع النفوذ متى شاءت.
حين تأكل الأنظمة أبناءها
لم يكن أعظم مشهد في "العراب" مشهد اغتيال ساني، ولا تصفية رؤساء العائلات الخمس، ولا حتى قتل كارلو. أعظم مشهد كان ذلك الذي أمر فيه مايكل بقتل شقيقه فريدو. لم يكن فريدو زعيماً منافساً، ولا خائناً يعمل مع الأعداء بالمعنى التقليدي على عكس صهره. كان فريدو رجلاً ضعيفاً، شعر بالإهانة، وارتكب خطأً قاتلاً. لكن في منطق الإمبراطوريات العائلية، لا يُقاس الخطر بحجم القوة، بل بقرب صاحبه من مركز السلطة. قتل مايكل شقيقه، وهو يعرف أنه يقتل جزءاً من نفسه. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد انتصاره ممكناً. لقد ربح السلطة وخسر العائلة.
وإذا كان فريدو يمثل الأخ الذي لم يجد مكانه داخل إمبراطورية آل كورليوني، فإن مجد شغل موقعاً مشابهاً داخل عائلة الأسد، وإن بصورة مختلفة تماماً. فلم يكن وريثاً مثل باسل، ولا رئيساً مثل بشار، ولا قائداً عسكرياً مثل ماهر ولا "دكتورا" مثل بشرى. بقي الابن الأقل حضوراً في الحياة السياسية، وتحدثت روايات عديدة عن معاناته من الإدمان قبل وفاته المبكرة عام 2009.
ولم يكن لمجد دور في هندسة أدوار العائلة، كما لم يكن فريدو لاعباً رئيساً في إدارة العائلة. لكن وجودهما يكشف وجهاً آخر للإمبراطوريات العائلية. فهي لا تصنع الورثة فقط، بل تصنع أيضاً أبناء يعيشون في ظل إخوتهم، ويجدون أنفسهم خارج الرواية الكبرى التي كتبتها العائلة لغيرهم.
النهاية... حين يغرق الجميع
في المشهد الأخير من "العراب"، يقف مايكل كورليوني وحيداً. لقد انتصر على جميع خصومه. أصبح الرجل الأقوى. لا أحد ينافسه. ولا أحد يهدد سلطته. لكن هذا الانتصار كان أغلى من أن يُحتمل. لقد فقد والده، وإخوته، وزوجته، وأصدقاءه، وتحولت الإمبراطورية التي أراد حمايتها إلى سجن يعيش داخله وحده. كان يملك كل شيء إلا العائلة التي فعل كل ذلك من أجلها.
لم يخسر مايكل خصومه، بل خسر أبناءه وإخوته وزوجته. ولم يخسر آل الأسد السلطة فقط، بل خسروا أيضاً تماسك السلالة التي بُني النظام من أجل حمايتها
وفي سوريا، تبدو النهاية مختلفة، لكنها متشابهة في الجوهر. فبعد أكثر من نصف قرن من حكم عائلة الأسد، انتهت الإمبراطورية التي بناها حافظ الأسد إلى السقوط. ظن بشار أنه انتصر في 2018. وقف وحيدا على كومة من الرماد غارقا في بحور من الدماء. عمه في المنفى. صهره مات بتفجير. شقيقته هربت منه إلى المنفى. شقيقاه ماتا. أحدهما في "حادث" والثاني من الإدمان. ابن خاله انشق عنه ويشتمه علنا. فقد أصدقاءه وأقرباءه. ماتوا أو قتلوا أو انشقوا. وفي 2024 هرب بشار من دمشق. وتفرقت العائلة. وقُتل أو غاب كثير من الرجال الذين شكلوا أعمدة النظام. وتغيرت سوريا نفسها بصورة يصعب مقارنتها بما كانت عليه عام 1970.
لم يكن سقوط النظام نتيجة معركة واحدة، ولا نتيجة احتجاجات عام 2011 وحدها. بل كان أيضاً نتيجة منطق حكم جعل الدولة والعائلة شيئاً واحداً. فعندما تصبح مؤسسات الدولة امتداداً للعائلة، تصبح قوة الدولة مرتبطة ببقاء تلك العائلة ومؤهلات "العراب". وحين تضعف العائلة، ينهار النظام معها. وهذا هو الفارق الجوهري بين الدولة المؤسسة، والدولة الشخصية. فالمؤسسات تستطيع أن تعيش بعد رحيل مؤسسيها. أما الإمبراطوريات العائلية، فإنها تحمل داخلها دائماً تواريخ انتهاء صلاحيتها.
كان منزل آل كورليوني في لونغ آيلاند مركز السلطة الحقيقي. وكان بيت آل الأسد المكان الذي كانت تُحسم فيه القرارات. لم يخسر مايكل خصومه، بل خسر أبناءه وإخوته وزوجته. ولم يخسر آل الأسد السلطة فقط، بل خسروا أيضاً تماسك السلالة التي نُسج النظام من أجل حمايتها.