تخطي إلى المحتوى
700 مشارك وربع مليون زائر مغربي في معرض الكتاب في الرباط 700 مشارك وربع مليون زائر مغربي في معرض الكتاب في الرباط > 700 مشارك وربع مليون زائر مغربي في معرض الكتاب في الرباط

700 مشارك وربع مليون زائر مغربي في معرض الكتاب في الرباط

انتهت يوم الأحد الماضي الدورة الـ 28 من معرض الرباط الدولي للنشر والكتاب، وهو يُعقد للمرة الثانية في العاصمة الرباط بدلاً من الدار البيضاء التي ألِف سكانُها الاحتفال السنوي بالقراءة منذ سنة 1987. ولا شكّ أنّ قرار نقل المعرض كان رهاناً محفوفاً بالتوقّعات الحذرة، لكنها سريعاً ما تبدّدت حين حقق نجاحاً باهراً في نسخته الأولى، ويبدو أنّه يترسّخ هذا العام مع الإقبال الكبير على الكتب. فالأرقامُ أصدق إنباءً وبرهانَ نجاح أو فشل أيّ تظاهرة من أي نوع. 

هي أرقام رسمية قدّمتها وزارة الثقافة المسؤولة عن القطاع، ومن إعداد وجرد هيئة تنظيمية خارج أطر المؤسسة، بما يكسبها الصدقية. 

 أوّلها، يتصل بعدد الزوار البالغ ربع مليون، في مدينة تعداد سكانها مليون ونصف، في فترة يجب التنبيه إلى أنّها شهدت امتحانات الثانوية العامة والجامعية، وحالت دون حضور عشرات الآلاف من المدرّسين يمثلون عادةً جمهور الكتاب.

 ثانيها، أنّ الدورة الحديثة جاوز عدد المشاركين فيها 700 عارض مثّلوا أكثر من 50 بلداً بعناوين فاق تعدادها 150 ألف عنوان في حقول المعرفة والإبداع المختلفة.

تسجّل الإحصائيات كذلك تنظيم 1230 فقرة ثقافية من تنظيم الوزارة مباشرة أو بشراكة مع مؤسسات علمية وحكومية معنيّة بالكتاب والقراءة.

 ثالثها، مشاركةٌ كبيرة في البرمجة الثقافية، أي الأنشطة الموازية للمعرض، وهي أضحت تقليداً في المعارض العربية بصفة خاصة، ومجال تنافس بين المنظّمين، وفي فضاء السّويسي الذي نُصبت فيه الخيمُ الهائلة لمنشآت العرض بين الممرات الواسعة تحت الهواء الطلق قرابة 3200 فقرة، لكتّاب وشعراء وباحثين من المغرب والعالم العربي وعواصم أجنبية، وردت فيها أسماء كبيرة، منها النيجيري النوبلي وول سوينكا والروائي العربي ابراهيم الكوني وعلاء عبد الهادي أمين عام اتحاد الكتّاب العرب.  

 لا بدّ لزائر ومتتبّع المعرض الدولي للنشر والكتاب، أن ينتبه إلى قسمته الثنائية بين المساحة المخصّصة لدور النشر العربية ضمنها المغربية، وبين الجزء المقابل لها المخصّص للمؤسسات الحكومية والدولية وبعض القطاعات الخصوصية وجزء من الناشرين أجانب ومروّجي ثقافة أجنبية، منهم مقاطعة كيبيك ضيف شرف المعرض لمناسبة العام الـ 60 للعلاقات المغربية - الكندية.

 لن يفوته التساؤل كيف يمكن لمعرض مخصّص للكتاب أن يجمع العام على حساب الموضوع الخاص الذي ليس معنيّاً أصلاً بالكتاب، وإنما يحضر للتعريف به والإشهار له، ومن هذا أمثلة كثيرة.

 وينتبه الزائر أنّ عدد دور النشر العارضة عربية بالدرجة الأولى حاضرة بقوة وكثافة، موزعة بين مصر ولبنان أساساً والدول العربية الباقية. 

 في هذا السياق، نشير إلى حادثة كادت توقع المعرض في ورطة بسبب تأخّر وصول شحنات الكتب المصرية التي تسبّب ناشر (شاطر) فيها، أحرجت العارضين المصريين، يزيد عددهم عن الـ 40، بقيت أجنحتهم فارغة أياماً، جلسوا يضربون أخماساً في أسداس قبل أن تُفرج. 

برامج ثقافية

واللافت في معرض الكتاب بالرباط، أنّ دور النشر العربية التي اعتادت أن تطوف بأكداس منشوراتها في المعارض من دون تمييز قديمها الأكثر وحديثها الأقل، حرص كثيرٌ منها على جلب الإصدار الجديد في جو واضح من المنافسة في الاختصاص والعناوين. 

 هنا نسجّل حصول الكتاب الأدبي على حصّة الأسد، الرواية في المقدّمة، مكتوبة ومترجمة. يتأكّد سنة بعد أخرى أنّ هذا الجنس الأدبي يشكّل الجاذبية الأولى لأدباء العربية، حتى صار كل عابر ومتسكّع في الكتابة يصرّ على قرن اسمه به، وهو ما ينفخ سجل وجيوب الناشرين، لكن كم أفسَد ويُفسد. 

كذلك كمّ الترجمات يصعب تمييز الغثّ فيها من السمين، المُحرّف المزيّف أغلب. أما الشعراء، فلا يكاد باقٍ فيهم واحدٌ لم ينتقل كما تظهر العناوين من الشعر إلى الرواية، نذكر مثالاً المغربي وساط مبارك، وهو شاعر مجدّد منذ بدايته، صدرت له أخيراً عن منشورات المتوسط رواية "وديعة خفاف". 

 من المهم الانتباه إلى أنّ عدد كاتبات الرواية حسب المعروض في أجنحة الرباط في تزايد، جلّه على نفقة المؤلف، في رغبة للتعبير وإثبات الذات بما يفوق البوح بالشعر. 

حقاً، يصعب إحصاءُ عدد الدواوين من إنشاء الأنثى، لذلك لا عجب يتكرّر في البرنامج الثقافي لمعارض الكتاب العربية موضوع "الكتابة بالمؤنث"، كان مدار حلقة نقاشية في الرباط، رغم أنّ الكاتبات يأنفن من هذا التصنيف وفي وقت يبقي مصنّفات فيه سجينات. كأنما الأديبة المغربية لطيف لبصير تريد أن تختص به في كتابها اللطيف الجديد "لكل امرأة كتاب"، وهي تواصل الاهتمام بانتظام بتحرير مقالات في مجلات نسوية مختصة.

 بعد النسبة الأدبية الغالبة، لا بدّ لزائر أن ينتبه إلى محدودية عرض دور النشر العربية من الدراسات والأبحاث، أعني اللافتة بجدّتها وحداثة المسائل من قلب المجتمعات العربية ووفق منظورات تبرز اجتهادات لا تعتمد كليّاً عن المنهجيات والمرجعية الغربية. 

 إنّه فقرٌ يخفف من حدّته استمرار مفكّرين طويلي الباع في العطاء الفكري، عميدهم عبد الله العروي الذي يعود بكتابه "الفلسفة والتاريخ" (المركز الثقافي للكتاب)، وفهمي جدعان بدراسته المعنونة: "معنى الأشياء، رسالة في الجوهري" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر). 

تنضمّ إليها عناوين صغيرة في التاريخ وعلم الاجتماع وجزئيات فلسفية وأنتربولوجية بين عربية وفرنسية، وتلاحظ أنّ قسماً منها مولعٌ بالترجمة، باعتبارها حقلاً نظرياً بمفهوم التأويل، لذلك حضر هذا الموضوع بقوة في الندوات بعناوين مختلفة ناظمُها "الكتابة والعالم" في أفق واسع للتحليل.

لا شك أنّ معارض الكتاب العربية تشخّص في جانب منها صورةً عن الثقافة والإبداعية العربية، وهذا بعض ما حاول واضعو البرنامج الثقافي لمعرض الرباط أن يولوه أهمية قصوى، إلى حدّ أن غلّبوا حصّته على الكتاب نفسه، وهو خلل كان بيّناً بشدّة، وإن نجد له عذره في الحرص على ضمان تمثيلية كبيرة عربياً وأجنبياً، وثانياً، في إشراك أكبر عدد من الكتّاب والدارسين، وأحياناً إرضائهم، وما أكثر الغاضبين ممن لم يدعوا عُدّوا أنفسهم مقصيّين، زيادة عن من دعوا من المغاربة إلى المقاطعة لخلافهم مع الوزارة الوصية في التصور الثقافي، مما أصبح ظاهرة سنوية هي في النهاية صراع بين قوى واختلاف في الرأي. مقابل هؤلاء الكتّاب الذين تمّ تكريمهم بعد مسار طويل في جلسات، كأنّها "حدّة الوداع"، وآخرون قدّموا آخر إصداراتهم بتوقيعات وقراءات نقدية مصاحبة، زيادة لأمسيات الشعر. 

 لا بدّ لزائر معرض الكتاب الدولي بالرباط أن ينتبه في الأخير حتماً إلى ثلاث ظواهر لا يمكن إغفالها في ختام هذا التقرير: 

 1ـ التزايد الملحوظ لدور النشر المغربية التي كانت تحضر في المعارض السابقة شبه هامشية، وإذ نجدها تقتطع جزءاً لا يُستهان به من مساحة العرض وكمّ المنشور، يرجع هذا أولاً إلى الدعم المالي السنوي الذي تقدّمه وزارة الثقافة، وثانياً، إلى عدد الطامحين للتأليف والطبع، وثالثاً إلى مبادرات حرّة لناشرين يدخلون غمار منافسة زملائهم في المشرق والغرب.

 2ـ رغم أنّ الجهة المنظّمة والمؤسسات الموازية رسمية أضفت من حيث البرمجة الثقافية عدداً ومواضيع ومشاركين، طابعاً فرنكوفونياً وفرنكوفيلياً، مما ينمّ عن توجّه ثقافي وسياسي عام يصعب الحسم في مصدره والمسؤول عن توجيهه، إلاّ أنّ معرض الرباط توهّج وهيمنت اللغة العربية فيه بصورته الفكرية والإبداعية العربية، ناشرين وكتاباً وجمهورَ قراءة هو الذي حسم.

 3ـ نعم، إنّ معرض الكتاب في أي بلد، وخصوصاً في بلداننا العربية التي تشكو من ارتفاع الأمّية، وكثيراً ما نلوك بأسىً ومرارة مستندين إلى إحصائيات "اليونسكو"، ارتفاع الأمية وضعف القراءة إلى حدّ مهول؛ أقول إنّ المعرض المغربي الأخير خفّف من هذه الصورة القاتمة، سواء بالنسبة لمستوى الإقبال، وأعداد المقتنين ونوعية الاقتناء والشغف بالقراءة عند الكبار وعند الصغار أيضاً الذين حظوا بفضاء واسع ومتنوع، يُعدّهم لغدِ المعرفة، وإنّه لكسبٌ واعد. 

المصدر: 
النهار العربي