تخطي إلى المحتوى

على لائحة الانتظار (جائزة أفضل رواية)

50% خصم 50% خصم
السعر الأصلي $3.50
السعر الأصلي $3.50 - السعر الأصلي $3.50
السعر الأصلي $3.50
السعر الحالي $1.75
$1.75 - $1.75
السعر الحالي $1.75

القصة الفائزة بجائزة دار الفكر للإبداع والنقد الأدبي لعام 2001، تحكي معاناة شاب فلسطيني منفي من بلاده، وينتظر العودة.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
328 الصفحات
20×14 القياس
2002\الأولى سنة ورقم الطبعة
1-59239-043-9 ISBN
0.34 kg الوزن

كنت أشتهي أن يخرج الكتاب إلى النور بخط اليد مباشرة.. تجنباً للولادة القيصرية.

أن يكتب بقلم الرصاص.. لمحو الخطوط المزخرفة

فلا تسقط سهواً بعض الحروف، كما تسقط الرؤوس من فوق الكلمات.

ولا يتكرر الخطأ المطبعي.. أو تلوى الحروف الواقفة، بضغط الآلة.. أو القرارات الحمقاء.

وحتى لا نخرج عن النص الأدبي.. إلى عالم آخر.

لم يزل الصهاينة، يتدفئون على نار روما.. التي أشعلها نيرون متلذذاً، يُسقطون في لهيبها، في كل صلية فلسطيني، كنت أحد الذين أحرقوا في تلك النار.. عشرين عاماً.

عشر سنين قضيتها متنقلاً.. كالظل بين زنزانة وأخرى، والعشر الأخيرة مبعداً، أطوف جسد الغربة البارد لأستقر أخيراً.. على ذراع باريس.

وفي هذه الساعة التي أحزم فيها حقيبتي، بعد عشر انقلابات خريفية، لأعود أخيرا إلى بلدي وأسرتي، بعد قرار العفو..الذي صدر على مضض، بفضل بعض الأصدقاء.

أحاول أن ألملم حزني على الورق..

فحين دقت الساعة الخامسة والعشرون.. أخرجت الذاكرة من علبة الورق المقوى، من مكان يصعب مضغه، في الأعلى، بين العظم واللحم،

فحيث تجلس الذاكرة.. تكون المقدمة..!

لا زلت أرى الكتابة نمطا من الاغتسال الداخلي..درعاً حيوياً ضد التلوث، فراشة تعشق الضوء، لتسقط في اللهب..

فالبعض يخرج ما في رأسه بصرخة عارية، أو بمفتاح موسيقي، أو بقبلة على شفاه الورق..

وآخرون يخرجونها.. بمشرط جراحي، أو كهربائي، أو برصاصة طائشة..

في كل الأحوال لن أساوم على الجراح، لن أستبدل الحديقة الداخلية بالورق.. حتى لا تتحول إلى ذاكرة مستعملة..!

وبينما أشعل عود الثقاب في الأوراق السوداء.. أتساءل من أين أبدأ تهجئة الحروف..

لن أتهرب من الضرائب المستحقة لأسرتي، منذ عشرين موسماً، بجرة قلم، أو بنزف داخلي، أو برشوة ذهنية.

لذا أشعر أحياناً أن الأرض بيضةٌ فاسدة، قد تنكسر فجأة تحت أقدامنا، ليخرج الماضي.. من بطنها حيا يرزق، مهما طالت مدة الحمل..!

فجأة تخدش ضحكة فتحي صفحات الصمت، من خارج الغرفة، كقنبلة ساخرة..:

- أسرع قبل أن يتراجعوا عن السماح لك بالعودة..

لن يغير فتحي عادته القديمة.. في التهكم على الحياة، حتى في أعصب اللحظات..

كان علي أن أغسل عيني بالماء والصابون، بعد أن تصفحت جرائد الصباح.. المليئة بالغبار والأكاذيب..

أو أن أطفئ غيظي في منفضة السجائر، فالغربة عادة سيئة كالتدخين، يصعب الاقلاع عنها، وبخاصة في مدينة متصابية كباريس.

لكن الأمر مختلف لعصفور مبعد، يتحرق شوقاً لصغاره، الذين طاروا بعيدا عن عينيه.

أذكر حين كنت أقفز بين خطوط النار في يافا.. عندما كان شقيقي الأصغر يردد على مسامعي " لا تدخل الجنة عجوز ".. الجميع يتساوون في السماء في القامة والعمر.. وفي الحقوق أيضا، لذا فقد رحل باكراً..!

استشهد مع شقيقي الآخرين، برصاص الذئاب، فحفرنا قبورهم في الصدر بين شتلات البرتقال، وصارت أمي تدعوهم بشتلات البرتقال الشهيدة.

حين كنت أعود في يافا عند المساء..و يا له من مساء!.. حين يرتدي الثوب الأزرق..

لم يكن قد مضى على زفافي.. حلم، تحمل لي سعاد كوب ماء اللوز، لأطفىء غليلي.. أتوسل إليها أن تتجرع منه ليمتزج بشفتيها، فيصبح ماء المتوسط عذباً، فلا حاجة لتحلية الماء بعد ذلك..

من يدفُّ الزورق في عينيها الآن، وعلى أخشابه ثلاثة أضلعٍ من الصدر، ودعتهم ذات مساء.

هل تخمد الكتابة ألسنة النار؟!.

أو يمتص الورق شلالات البرتقال.. المعتصر من القلب عنوة؟!..

كنا صغاراً.. نفرغ الشوق بالطباشير على الجدران الجيرية الرطبة.. هانحن الآن نسدد الفاتورة الطويلة لحساب نصف قرن.. بنوم متقطع..!

ترمقني أمي بنظراتها، من خارج الحياة.. تذرف كتاباً بكامل فصوله، عن ثلاث شتلات شهيدة ورابعة منفية..

النظرات لغة أخرى.. ليتها تكتب..؟!

أبجدية لا صوت لها.

فمن يمنح الكلمات الأوسمة؟!.. ولا يهب المشردين مجرد أغطية لفظية، أو مزقُُ من هوية في الجو البارد.

حين تعشق يافا..

فهي إما أن تحرق أجنحة من تحب، حتى لا يرحل بعيداً عن ناظريها..

أو تدفنه تحت جفنيها حتى مطلع الفجر.. لا ترضى أن يقاسمها في غرامها أحد..

لكنها تشاطر الجميع.. الملح والذاكرة.

.. أزيح ستائر النافذة ليدخل الضوء، كي أجتاز المسافة الفاصلة بين الأمس واليوم.. لأعيد ترتيب الأشياء في أزمنتها وعلبها، كما أرتب الآن تذكاراتي البائسة، من عروق باريس، بدقائق معدودة في حقيبة السفر.. وصوت فتحي الذي يتحدث إلى إيفان في الرواق، يتسلل إلى حجرتي:

- ألم تنته بعد.. ستشتري ما يلزمك حين نصل إلى مرسيليا.

فأجيبه على عجل:

- دقيقة واحدة.. لقد انتهيت تقريباً..

لا أدري كيف أقنعني فتحي أن أخرج عذاباتي على أقساط.

أن أجفف بالورق عرق الذاكرة..

أن أفتح للبركان في داخلي.. فوهة أخرى.. على ريشة القلم.

ما أخف الورق.. وما أثقله بالكلمات!.

تطفو عينا سعاد على السطور من جديد.. كأنها تقول:

- لا تلمني.. كان عليّ أن أفعل ذلك، حتى لا أموت غيظاً.

أجيبها من خلف الأميال.. معاتباً:

- القلب لا يتسع لحبين معاًًً.

لم تنبسي بحرف، ولكن بقبلة:

- سأظل أحبك.. حتى سفوح الجليل.

كان لا بدّ أن أحسم الموقف.. برصاصة..

لم تصب هدفها بعد.. لم تزل منطلقة فوق السطور..كرسم اهتزازي لضربات القلب!.

.. اكتشفت رغم كل شيء.. أنك لا تزالين تعيشين في داخلي، كالوطن يحترق في خلايا الذاكرة.. وفي أزقة الضوء هنا في باريس.

أتساءل الأن من سيحسم السباق إلى خط النهاية، حيث يقف القلب في الانتظار، منكس الأعلام..!

أفتح نعوش الأحلام، ينتابني إحساس بالضحك.. لتغطية الهزيمة بمنديل أبيض، فلم لا أجرب وصفة " باريمور".. "تبلغ مرتبة النمو التام، عندما تضحك، ضحكتك الأولى.. ساخراً من نفسك ‍‍‍‍"..!.

لو كان للمرء أن يكون قوة حرة كالرعد والبرق والمطر.. حافية من كل شيء.

لاعتبرت الموت إذاً مرحلة في سياق الحياة..

لجعلت الحب أمرا اعتيادياً، خملاً بلا شوك، حتى لا تدمي لمسات العشاق.. الحروف.

يدخل في تلك اللحظة صديقي التونسي فتحي، الذي أصر أن يوصلني بسيارته إلى مرسيليا.. حيث ستبحر السفينة من هناك إلى تونس، ومنها إلى غزة..:

- هيا يا جمال أسرع.. لقد داهمنا الوقت، ومروان ينتظرنا في السيارة.. بشتائمه.

يرن صوته كجرس المدرسة في باحة الذاكرة، تصطف الأرتال خلف بعضها، يخطىء من يدعي أن الظلال تحتشد على قدم المساواة، في ضوء الشمس.. في هذا العالم..!

أحاول أن أختزل الطقس الصحراوي في داخلي.. بعملية حسابية حاسمة، كسبا للوقت.. لكن الأوراق لا تسمع إلا ما نمليه عليها فقط.

أقف على سطح الدنيا لأعلن على الملأ، كل الصور المحنطة.. منذ نصف قرن في أدراج مقفلة..

أكتشف بأن ليس كل ما يلمح.. يرى.

وأن أعلى قمة في العالم.. هي لحظة الغليان..!

فدعيني أعيش اللحظة بأكملها.. حين تخلع المدن ثيابها البيضاء في الليل، في اللحظة الواقعة تماما بين الموت والحياة.

أنظر فلا ألمح نهاية الجسر، للوطن الذي يسير على طرف صناعي.. عندئذ أرتشف بعيني المسافة المتبقية.

كمدينتي أعشق كل شيء مختلف..

كالمناخ القاري.. مشتعلا في الداخل، وباردا في الأطراف..

لا أحب الألوان المهجنة.. بمزج تقليدي، فالألوان المتوحدة تبوح بهويتها، وحدودها.

تماما مثل فرانكو ولوركا.. لونان متضادان..؟!

لوركا بقعة حمراء كشقيقة نعمان.. في حقل قطن، والأول يتآكل بعفن رمادي.. على فراش الموت.

"الآن" زمن، صار ماضيا.. بعد لحظات، بينما تظل مدينتي تلف ذراعيها..حول خاصرتي إلى الأبد.!

وحين صعدت إلى ظهر الباخرة في مرسيليا.. لوحت لفتحي ومروان..حين تأرجحت أنفاسي المعتقلة.. فوق الأماني المالحة.. دفنت خلالها عشرين عاما، بل عقدين من الربيع انفرطا، دون أن يزهر في حدقي غصن..

عشرون نجمة هوت من دفاتري، دون أن تشعل قلبي بفتيل أو قمر حالم.. استرقت النظر إلى الدنيا.. لم تتبدل بعد بثوبيها الأبيض والأسود.. فأحسها باهظة ممضة كجرح مزمن.

ربما ساورني كسر القيد في هدنة حرب، كنت ساذجا كأحلام العاشقين، التي امتدت عشرين خريفا، قضيتها مصلوبا عشرين عمرا، مناصفة بين الزنزانة.. والمنفى القسري، دون أن ألتقط أنفاسي.

على سطح المركب المبحر إلى تونس، وريثما تصنع أوراقي من جديد، لأكمل الطريق مع العائدين إلى غزة.. شاب عيني بما يشبه الخيال البصري، العرس جنائزي لأخوتي شتلات البرتقال الشهيدة.. أحس مذاقها في ذاكرتي، كزنبقة مسحوقة، سال دمها البنفسجي، قي أوراق المفاوضات!

أحاول الآن أن أغتسل من أوجاع الماضي، بالدم المالح قبل لقاء أبنائي.

أن أتعرى في الشمس من جلدي المرقع الساذج، لأتقشر من سخافات العالم اليابس.

أدركت كيف تخسر الدلافين أعمارها، على منفضة اليابسة.. لم يكن انتحارا مجانيا بل موتا ليبراليا، من أجل الحياة.

ها أنا أهرع كالبيوض السمكية.. إلى شاطئ الذكريات، بعد أكثر من عشرة أعوام..

لن أتشجر غابة أحزان كلوحة غربان.. لكن لن أغفر لجلادي آمالي الطاعنة في السن.

عشرون ربيعا من عمري في السجن والمنفى، تراقصت أشواقي كهندي أحمر.. يغتسل بالنار، في أتون مدفع.

غمغم عجوز تونسي في أذني، كنت قد تعرفت إليه، على سطح الباخرة..

- إننا كالأنهار الصغيرة التي يبتلعها البحر..

..هاهو يعود بعد حقبة من الوجع، وعمر من الانتظار..بحفنة من بريق.

رمقني بعينيه الغائبتين..:

- يبدو أن وراءك مآساة طويلة.

ثم جلس على المقعد بقربي.. يستمع.

هكذا راح الشريط..يلتف الى الوراء..

على سرير يمتد كأحلامٍ مصورة استلقى جسدي والشتاء.. أجهشتْ العصافير المُكبّلة على الأغصان البعيدة.

وعلى حائط الحجرة، ألصقت لوحة الصبار القديمة، حملتها معي من حقول الذاكرة.. نزعتها أمي عن الجدار في حجرة الجلوس..لتضعها في حقيبتي..ليلة السفر.

من الطابق العاشر في الحجرة السادسة، من أحد أحياء باريس الجانبية.. كان الموعد العرفي مع العزلة، ذاك القفص اللعين..الذي ما أن أطأه حتى ترمقني صور أولادي في يافا.

كان يحتم علي أن أرافق التماثيل الذاهلة، أن أتغلغل عبر صمتها الموحش، حتى لا أستحيل خشبة متبلدة.. فأتقنتُ لغة الأشياء، التي أُلزمت صحبتها.

أما الجدار فقد جعلته حقل أحلام.. نسخته دفترا من جلد الوطن، أتدثر صفحاته، في برد الغربة القارس.

فما أن أدير أكرة الباب حتى يصفعني الشوق بحرقته..لأغوص عتمة العرفة المتجمدة..كتمثال نصب في ساحة مغمورة.

لعل الواجب تأريخ الأحداث.. عند سرد المنفى الذي دفنت فيه حياً، ربع قرن تقريباً، مبعداً عن ذاكرتي وعيون صغاري..في أرض الأحلام الموءودة.

فأجربُ إخفاءها بمساحيق عصرية، من بيوتات التجميل، من ضباب الحضارة، وما أكثفه في جسد باريس، هذا المنفى الراقي، الذي يهفو إليه عشاق العالم الثالث..وكل الحالمين بأرائك.

أمارُس القفز فوق حقول الألغام.. لأتجنب الرياح المفخخة.

.. حطّتْ الطائرة في مطارديغول.. على أنفاسي المتلاحقة، لأندفع كالسهم الطائش على مقعد الغربة الوثير..قادماً من القاهرة التي ضاقت ذرعاً بضيافتي..كمبعدٍ فلسطيني غير مرغوبٍ فيه، كان الوقت مساءً حين وصلت باريس.

زأرت رياحٌ عنصرية.. لتنزع معطفي ولتفرغ أشواق حقيبتي، ابتلعتني أنفاق المترو المنغمد بطن الأرض.. كالرصاصة الطائشة، في الحواري المحتلة.

تجمدتُ برهة.. في الجو الماطر حولي، كان المساء حانقاً.. مبللاً بالشوارع المتغطرسة، بينما شهقتْ الأشجار العارية، كالأشباح خلف معطف الليل.

نبحتْ كلابٌ حظية.. بحة متذمرة.. معلنة فوحَ رائحةٍ غريبة..

أنا القادمُ من بيت الشمس في وطن الأنبياء.. حيث تستريح العاصفة وتستعرُ الحروب، على رمال الأخوة الأعداء.. فوقَ جيادٍ من هواء.!.

في صالة المطار، الفسيحة بالقبلات.. تفرَّس الموظف الفرنسي في جواز سفري، طواه مشمئزاً.. ثم غاب قليلاً..بأوراقي وراء كوته..فهتفت في وجهه:

- لست قضية بهذا الحجم أو بضائع مهربة، أو كائن لا حصانة له؟!.

عاد من حجرة خلفية مبللاً بالازدراء..:

- قريباً.. ستفرشون أرضنا، أيها الغرباء.. كالجراد.

قرضَ زجاج النافذة بعينيه الساخطتين..و مضغ شفتيه بسخرية ماجنة:

- الجميع مثقفون.. ومناضلون أيضا.

أردفها بشتيمة خافتة.. كعادة برجوازية قديمة.

رمى أوراقي في ساحات باريس الساهرة، طويتُ أمتعتي المنهكة، المنداة بمطر الثكالى، وبأشواق مُشتعلة.. لرجلٍ مصلوب بذاكرته.

لا زالتْ الأزقة الدافئة بخطاي في ياقا.. تتسكع قلبي، بحجارتها المصدَّعة، بأبوابها الهرمة، بشرفاتها المنسكبة..كذراعين مسافرين.

..كم هي قاسية أكذوبةُ العصر، حين تشبكُ جناحيك المشتاقين بمسامير فولاذية.. وتضبط عقارب عينيك على لوحاتٍ مضيئة.

أن تندسّ علبة مغمورة في جوف ناطحة سحاب.. وتحشُرَ أضلاعك في سترة باردة.. لمسافر رغم أنفه.!.

هاأنا أجوب الشوارع النظيفة حتى من البشر..كصمت القبور.!

احترتُ بين الصمتين.. الملثم بالخوف هناك، والمطلي بالوحشةهنا.. كانت أسهمُ الوطن تعلو دوماً، تطغى على صفير الميترو.في ليل باريس.

همسَ لي أحد الأصدقاء، ذات شجن.. حول سياج الغربة:

- الوطن حيث تضحك ملء رئتيك.. دون قيود..

واستدار حول مقعده المريح.. يقهقه بتعاسة، معزياً ذاته:

- قد نكون نحن الشرقيين أشدَّ التصاقاً بأوطاننا.. كالسنونو ما إن تسلم جناحيها للريح، حتى تعود كالصيف ساخنة الأشواق. وأن عروقنا كأسلاك الكهرباء، تصعقُ من يلمسها مجردة.

صعدت باص المطار أحضن حقيبتي الصغيرة.. المنتفخة بأمتعة قديمة وبصور باهتة.. تشخص حافية بذهول..في باحة الدار، التقطتها لصغاري قبل ابعادي بفترة وجيزة.

ربما أنسى صدمة الكهرباء.. وكل الأوراق الشاحبة، لكن من الصعب سلوى عيون صغاري.. وأنا أُقبلهم كنخلة، نزعت من جذورها..حين تسلمت قرار الابعاد.

لم يزل هذا المشهد المخزي.. في ضمير البشر، يأسرني بنعاله القاسية..حين راحت حراب الصهاينة تسلخ لحم أبوتي.

ما أقسى أن تُعرَّى من كبدك حياً. أن تمزق أطرافك الملتحمة بعويل صغارك.. لتطحنَ بالغربة وتعجنَ بالوحل..؟!

ثمةَ هاجس كان ينتابني للتواطؤ مع جلادي.. في تصفية أوصالي، لمَ لمْ أفارق الجسد المعذب، لأغادره تحت أقدام الطغاة، يسحقونه بأحذية حاقدة..؟!

- ادهسوه أيها الخنازير.. أشلاء ممزقة، فقد رحل النبض.

كان جرمي الفظيع.. عشقُ الأرض، اتهمُت بالتحريض على عشق الأرض.. بالذود عن أسنة السنابل وجذور الزيتون.. وبأني أستثيرُ حنقَ الشباب الفلسطيني ضد الصهاينة.بما اكتبه من مقالات وطنية ساخنة، اذلم يكن أمام وليد البدري..سوى أن يختلق تهماً جاهزة، ليلصقها على ظهري، قبل أن يحيك الدسائس من حولي.

فأضرم بوشايته.. شهوة القتل، في عناكب الموت الصهيوني.. لمجرد أنني أحمي دفاترَ صغاري من عبث اللصوص. أدغموا هويتي بوصمة حمراء.. بأنني إرهابي هوسي خطر، ليمتزج الليل والنهار في عيني المعصوبتين، بشلال القهر في المعتقل.

كانوا يتحدثون بلهجة سريالية صارمةٍ كالهروات.. كالقهقهة المجنونة..لتفقد كتاباتي النطق.. في الجرائد الوطنية،

فاستصرخُ الحصون المنيعة بالصمت.. وكل القلوب الكتيمة الصدئة.

أنهضُ على رؤوس أصابعي، فوق الجليد الأحمر.. على رمش السكاكين المسنونة، حقبةً أقيسها بعدد السياط المنهمرة على ظهري المتشقق كسلحفاة هرمة..!

وحينَ أغامرُ لمجرد الجلوس، كانت الصفعاتُ تمطر بوابلٍ أتوماتيكي مستعر، بينما تنسل الأحذية الفولاذية المنتشية، لتهرسَ أصابعي المنتصبةِ بشموخٍ لا يليق بالمشهد الهمجي..!

وحتى لا يصنعوا مني رمزاً أسطورياً.. لملموا أشلائي المبعثرة كالكلاب النافقة، وألصقوا على جبهتي إشعارا برسم السفر.

هكذا انطلقت رحلة المنفى الإلزامي، بعد أن طردت خارج الأرض المحتلة، عشرون شهقة بموات ملوّن.. أجوب بلاد القربى بلا حضنٍ أو ظل.

ها أنا أتفرسُ الآن ذاك البرج الحديدي في قلب باريس.. أحسه كالطعنة في قلبي المتلهف، لعيون صغاري.

..رمقتُ صديقي الكهل على المركب، حيث أطلقت سراح أوراقي.. كان يبحر بملامحي المعذبة، يربتُ على ذاكرتي.. في الوقت الضائع من الرمقِ الأخير.

مضيت في الشوارعَ المقفرة في باريس، إلا من نزيزِ الشتاء على جسد الليل، ومن عربدة الريح على الأشجار العارية الناحلة.. تبهرني أضواء السيارات في لمحاتٍ خاطفة، كوميض الحقيقة في هذا العالم.

سرتُ أطوي المسافة على أطراف المساء، أبعثرُ الزمن المعتم، لا أدري كيف سأقضي ليلتي، ريثما أصل إلى عنوان أحد الأصدقاء، رحت أدفعُ صفير الهواء الأمرد..وهو يتسرب في مسامي ببرد مجهول.

كومتُ أجزائي المتلاشية في مصعد إحدى المباني المضيئة، في قلب العاصمة النائمة.. فقد كدت أتجمد من البرد وكل ما في حوزتي، بالكاد يكفي لقضاء ليلة واحدة في أحد فنادق باريس، نفختُ في أصابعي وهج الحطب فانساب تيار ساخن، في أوصالي المشدوهة.

.. لو لم أمتثلْ لمشورةِ الأصدقاء في القاهرة بالسفر.. لكنتُ أحلقُ الآن مع أسراب الكناري فوق المروج الدافئة، هناك في حوض المتوسط.. حيث الضحكات الُمشمسة، والسواحل المرفهة بالرمل الناعم.. حيث توهب المناصب، أويهرق الدم بغزارة شرقية، لمجرد نظرةٍ أوكلمة.. تلك هي أطراف القضية المعجزة بحديها الجارحين، في أقصى اليمين.. وأطراف الشمال!.

.. خطرت أغنية الهاراكيري اليابانية " نموت في النهر لنولد على الضفة "..في ذهني فجآة..

اذ كان المساء ساحرا، ولكل مدينة مساؤها الذي ترتديه..

كما أن المرء لا يحدد موعد موته.. لكنه يصنعه بيديه "فلنحسن صناعة الموت"ليس لدي ما أخسره لكن هناك ما أربحه إذا ما بقيت حياً؟!.. أطفالي الثلاثة وزوجي سعاد..حبيبتي التي تنتظرني.. خلق ضربات قلبها..رغم مطاردة ابن عمتها وليد البدري لنا؟!..رجل الظل الذي يلاحق أنفاسي..منذ أن خطفت سعاد من بين يديه.

مازلت أؤمن أن اليأس هو موت مؤقت!..

لذا أفضل أن أقف خارج اللعبة الذهنية في هذا البرد القارس، تذكرت رأي سارتر في هذا الأمر"بين النهاية واللانهاية، يقف القانون".. لكن أي قانون سنقف عنده؟!..

عندما ودعتُ يافا عصرتُ كل البيارات الباكية، في المناديل الملوحة، أومأ لي البرتقال بوجنتيه القمريتين، ورافقتني سعاد حتى باب السيارة العسكرية..التي اقلتني خارج رفح على الحدود المصرية.

..فتحتْ لي عاصمة الشرق القاهرة ذراعيها العريقتين.. فرشتْ لي أهراماتها منزلاً صخريا.. أوسدتني أسرّة الملوك.

ومثل كل الضيوف كان حرياً بي أن أعلن هويتي الإنتمائية، رغم خارطة القهر على مساحات عمري وجسدي الموشى، بحوافر الخنازير وأعقاب السجائر، بالماضي المشحون بالتيار العالي التوتر.

و رغم الركلة القاضية..التي قذفتني طريداً خارج أسوار مدينتي..كان علي أن أصرّح بصبغة الدم الإيديولوجي.. ولون الخضاب، ألا يزالُ وردياً.. لتلاحقني الدسائس والمضايقات بمعطف جديد.

لا زلت أصرُّ.. على الموعظة القديمة أن بضعة طيور شقيَّة.. تضلُّ سرباً من العصافير!.

لا زلتُ أعشق القاهرة.. بجسدها العتيق، بمآذنها الصادحة، بأزقتها الملونة الدافئة، بالعيون، تغزل الضحكة.. المجبولة بطمي النيل..وماء البشر.

كل مدينة تقطنها.. تحفر في قلبك ظلالها.. تسكن بياض عينيك.

قد تبقى بضعة من جوانحي معلَّقة بأهداب المدائن التي سكنتها، في ومضة من الزمن..

لكني أقرُّ بصلابة أن كل عروقي.. تنبضُ أبداً في قلب يافا.

.. على حين غرة.. كالقرارات المباغتة في بلاد الشمس.. انشقَّ باب المصعد، وانتصبَ شابٌ أشقر فغر عينيه كقط مذهول..

غمغم بلغنته الوطنية التي أحفظها كثقافةِ الجيب..

.....

لم يكن ثمة مقعد شاغرٌ حين صعدت امرأة حامل. ولما يئستْ كالوطن من نخوة الرجال؛ إذ لم يفسح لها أحد مجلسه -فقد كان كل منهم قد حبل بهمومه أيضاً- استنجدت المرأة:

- ياإلهي لارجال هنا البتة.. الرجال هناك في فلسطين..

نهضتُ أقدم لها مقعدي تقديراً لمشاعرها النبيلة راحت تلهج بشكري.. أخبرتها أنني من ذلك الوطن.. أغمضت عينيها الجميلتين وهتفت:

- ألم أقل لكم: إن الرجال هناك!

تتحدث هذه الرواية عن رجل طرده الاحتلال الإسرائيلي من بلده يافا إلى مصر بعد وضعه في السجن تحت العذاب لمدة عشر سنوات، وبعد تنقلات كثيرة من بلد إلى بلد استقرت به الأقدام في باريس، ليقطن فيها عشر سنوات يلملم فيها جراحه وآلامه وأفكاره ومشاعر الألم والشوق للوطن، ويأمل بالعودة إلى بلده وزوجته وأولاده وأمه تلك التي قدمت لذلك الوطن ثلاثة شهداء.
وبعد جهد جهيد، وبوساطة من أصدقائه في البلد، وبعد اتفاق أوسلو عاد إلى فلسطين، ولكن إلى غزة، وتدور بعد عودته إلى غزة أحداث كثيرة لم يكن يعرف ما ينتظره منها عند العودة إلى وطنه، وتصف الرواية ما يعانيه الفلسطينيون على الحواجز التي يقيمها الإسرائيليون بين كل بلدة وأخرى وما يتعرضون له من انتظار وإهانات وعذابات مختلفة، وآلام نفسية وعاطفية.
وتعتمد الرواية تقانات روائية تستطيع أن تحرك آلات الإدراك عند المتلقي، كما تشد حبكتها القوية القارئ، وتدفعه إلى الاستنتاج والكشف.
ويتميز أسلوب الرواية بلغة شعرية صافية مبسطة، تمكن من توصيل المراد إلى القارئ، وتحدث التخييل لديه.