تخطي إلى المحتوى

سيامند .. ابن الأدغال

20% خصم 20% خصم
السعر الأصلي $5.00
السعر الأصلي $5.00 - السعر الأصلي $5.00
السعر الأصلي $5.00
السعر الحالي $4.00
$4.00 - $4.00
السعر الحالي $4.00
قَد يَطيبُ لبَعضِ مَن يَقْرأُ هذه القِصَّةِ أن يَتصَوَّرَ أنَّهَا رَمْزٌ لِحَالَةِ شَعْبٍ يُكَافِحُ مُنذُ عَهْدٍ بَعيدٍ لنَيلِ حُقُوقهِ وَالتّمتُّعِ بالحَيَاةِ الكَريمةِ الّتي يَتمتَّعُ بهَا الآخَرُون . إنَّ لَهُمْ أن يَتَصَوَّرُوا ذَلِكَ، عَلَى أن لَا يَنْسَوا أنَّ هذا الشّعْبَ الذي يَعْنُونَ، وَأنَا وَاحِدٌ مِنْ أفْرَادِهِ، كَان وَلَا يَزالُ مُغْرماً بِتَقطيعِ أَوصَالِ نَفسِهِ وَالتَّألُّبِ عَلَى ذَاتهِ. وَعِندَمَا يَبْدَأُ فَيَكُون هُو أوَّلَ راحِمٍ لِذَاتِهِ وَيَعْكِفُ بِجِدٍّ عَلَى جَمْعِ شَمْلِ نَفْسِهِ، سَيَجِدُ مِنْ حَولِهِ كَثْرةً كُبْرى تَتَسَابَقُ إلى احْتِرَامِهِ وَمَدِّ يَدِ الـمَعُونَةِ إلَيْه. عَلَى أنَّ أحْدَاثَ هذِهِ القِصَّةِ وَاقِعَةٌ، يَسْري بِحَدِيثِها الرُّكْبَانُ وَيَتَغَنَّى بفَصْلِهَا الأَخيرِ أَشْهَرُ الـمُطْربينَ وَالـمُطْربَاتِ.. وَإنَّهَا لَتُعَدُّ بِحَقٍّ وَاحِدَةٌ مِنْ رَوَائِعِ قِصَصِ الشّعُوب.
المؤلف
التصنيف الموضوعي
216 الصفحات
20*12 القياس
2019 سنة الطبع
978-9933-36-166-2 ISBN
0.18 kg الوزن

بيني وبين هذا الشاب الذي تراه
ناداني، من وراء سور زمني، يبلغ مداه أربعين عاماً، يقول:
أي شرعة تلك التي بررت لك أن تعاملني بهذه الأنانية المفرطة؟.. تنشر معارفك ومؤلفاتِك المتنوعة، وتدعها تسير بين البلدان مشرّقة ومغرّبة، ثم تعمد إلى زهرة أودعتها عبق شبابي: أدباً وبياناً، وتصويراً لمأساة إنسانية ذهِل عنها الناس في غمار لهوهم وأفراحهم، ورسماً لأحلام وأمانيَّ تغمس مشاعري بألوان الطيف وتنسيني بؤس الليالي والأيام؛ تعمد إلى زهرتي هذه، فتدسّها في غياهب الأدراج، وتخفيها في طيّ الأوراق المنسية!!.. ما الذي فضل أعمالك العلمية والفكرية حتى ترعى انتشارها بين الناس، وما الذي عاب زهرتي الأدبية التي أودعتُها أغلى أحاسيسي الإنسانية، حتى تَغْبُرَ حياتك كلها سجاناً لها، تنتظر بها التلف والهلاك؟..
أجبته: أنت شاب وهبت فكرك وقلمك للأدب وأحلامه، وأنا منصرف إلى ما ترى من مشكلات الثقافة والعلوم، وصراع ما بين الحق والباطل، أدعم الحق وسلطانه، وأعري الباطل من كسوته العلمية والثقافية الزائفة.. فلا أنت يطيب لك الصراع الذي أتقلب في غماره، ولا أنا أملك فضلاً من الوقت للركون إلى متعة الأدب وأهله والتقلب في أحلامه الذهبية.
فنظر إلي قائلاً: اليوم، وبعد أن نهلت من أدبي وبياني ما طاب لك أن تنهل، ثم اتخذت منهما الطلاء الذي رحت تصقل به أحاديثك ومؤلفاتك التي تخاطب بها الناس، ليكسبَها الرواء الممتع والألق الجاذب، في آذانهم ونفوسهم.. اليوم.. وبعد هذا كله أصبحت تُشيح بوجهك عني وتتسامى بعلومك وأفكارك عن بضاعتي وبياني!.. نسيتني وتنكرت لي لأنني أديب وأنت عالم؟ ولأنني أصور آمال الناس وآلامهم، وأنت تعالج دينهم ومعارفهم؟!..
هل كان في الناس من يحفل بشيء من أحاديثك ومؤلفاتك، لو لم تجذبهم إليها إشراقة الروح الأدبية وحرارة العاطفة الإنسانية، اللتين لم تنهلهما إلا من معيني، ولم يَصْفُ لكَ وِردهما إلا في ظل أحلامي الوردية، بما فيها من شوك ورحيق؟ أهكذا يكون الجزاء؟.. أكسبتُك الثوب الأدبي الذي كسوتَ به علومك ومؤلفاتك، فأوليتُها بذلك سرّ القَبول وجاذبية الانتشار، وجئت بعد ذلك فكافأتني بحبس إنتاجي الوحيد بعد (مموزين) بين أوراقك المنسية داخل أدراجك!..
قلت له: لقد ذكرتني بمموزين. أولا تكفي هذه الملحمة التي نشرتها لك، والتي ما زالت طبعاتها تتوالى، وحديثها يُروى في كل مكان؟
قال: كانت تلك مأساة حب رومانسي عاصف.. أما هذه فهي دراما إنسانية مثيرة ونادرة. وما ينبغي أن تنسخ هذه بتلك ولا العكس.
قلت: فحدثني عن هذه الدراما الإنسانية التي تلحّ عليّ أن أطلق أسرها اليوم. وقل لي ما الذي حملك على كتابتها وإخراجها.
قال: مموزين هي القصة التي كان يرويها لي أبي، ويبصّرني بما فيها من معارج الصعود التدريجي من حب الأشباح الأرضية الفانية إلى محبة الحي القيوم الذي لا يستأهل الحب الحقيقي سواه.
أما قصة سيامند هذه فهي تلك التي كانت ترويها أمي في ليالي الصيف المقمرة.. كانت فيما يبدو تسليني وأختي الصغرى بذلك، كي نهدأ ونقلع عن الضجيج الذي يوجع رأسها. ولكنها كانت في الحقيقة تؤنس نفسها بتلك الرواية التي تذكرها بمسقط رأسها في جزيرة بوطان، وتنسيها غربتها التي أبعدتها عن الأهل والوطن، في غمار الأخيلة التي تعود بها إلى تلك الربوع الأخاذة بجبالها الشاهقة الخضراء وسفوحها المنقوشة بأزاهير النرجس والبنفسج، وأوديتها التي تعج بخرير المياه وتصّاعد منها أصداء غناء العنادل والبلابل.. وكانت إذا انتهت إلى الفصل أو المقطع الأخير منها، حيث الحوارُ الرقيق.. حوارُ الوداع بين سينم وسيامند، أخذت تتغنى بألفاظ هذا الحوار، باللحن ذاته الذي تتناقله أصوات المغنين والمغنيات في تلك المناطق من بلاد الأكراد، وما هو إلا أن يسلمها هذا الحوار الغنائي الأخاذ، إلى بكاء يجعلنا نحن الصغيرين نبكي لبكائها.
هي قصة طفل نشأ في أحضان البؤس، وشب تحت جنح الأسى يتقلب في أحلك ألوانه، ورضع لبان الظلم أشدّ ما يكون مراراً وقسوة.. حتى استوحش من دنيا الناس، وأخذ يركن إلى أدغال الوحوش ويأنس في أوكارها!.. فماذا كان من خبره بعد ذلك؟ وكم هي الأيدي التي أخذته وردّته؟ وأين وجد أخيراً مستقره وسلوه؟ وما هي العبرة التي بوسع القارئ لهذه القصة أن يعود مستغنياً بها؟
هذا ما سيعلمه القارئ ويتبيّنه لدى قراءته لها.
حملتني على كابتها الرغبة العارمة في تخليد تلك الليالي المقمرة التي كنا نجلس فيها إلى أمي لتقص علينا أحداث هذه القصة الغريبة والمثيرة. ثم إنني وقد أمتعني الله بحمل هذه القيثارة، قيثارة الأدب العربي الساحر، يطيب لي أن أعزف عليها الألحان التي تترجم مشاعر العشاق والبؤساء، تروي للناس أشجانهم وتقصّ حوار الليالي معهم وعزاء الطبيعة لهم. وهل تُتوَّج الإنسانية بتاج أجلّ وأبهى من اللحن الذي ينبش عن خفايا مشاعرها ويترجم للناس مكنون آلامها ورائع آمالها؟
* * * *
والآن - يا قارئي الكريم، وقد أصغيت إلى الحوار الذي جرى بيني (وبين) هذا الشاب الذي ترى صورته ترنو إليك - لا يسعني إلا أن أخضع لشديد تقريعه وعتابه، وأن أصلح ما بيني وبينه فأستجيب لرغبته في إحياء لياليه المقمرة مع أمه التي ورث منها الكثير من مشاعره العاطفية وأحاسيسه الوجدانية.
فها أنا ذا أستأذن السادة القراء أن أخرج مخطوطة هذه القصة من أوراقي المتقادمة المهملة، وأن أبعثها من الرميم، وأنشرها بين الناس واحدة من روائع قصص الشعوب الواقعية لتؤدي هي الأخرى رسالتها في عالم القيم الإنسانية وساحة الفكر والنقد.
محمد سعيد رمضان البوطي

قَد يَطيبُ لبَعضِ مَن يَقْرأُ هذه القِصَّةِ أن يَتصَوَّرَ أنَّهَا رَمْزٌ لِحَالَةِ شَعْبٍ يُكَافِحُ مُنذُ عَهْدٍ بَعيدٍ لنَيلِ حُقُوقهِ وَالتّمتُّعِ بالحَيَاةِ الكَريمةِ الّتي يَتمتَّعُ بهَا الآخَرُون .
إنَّ لَهُمْ أن يَتَصَوَّرُوا ذَلِكَ، عَلَى أن لَا يَنْسَوا أنَّ هذا الشّعْبَ الذي يَعْنُونَ، وَأنَا وَاحِدٌ مِنْ أفْرَادِهِ، كَان وَلَا يَزالُ مُغْرماً بِتَقطيعِ أَوصَالِ نَفسِهِ وَالتَّألُّبِ عَلَى ذَاتهِ.
وَعِندَمَا يَبْدَأُ فَيَكُون هُو أوَّلَ راحِمٍ لِذَاتِهِ وَيَعْكِفُ بِجِدٍّ عَلَى جَمْعِ شَمْلِ نَفْسِهِ، سَيَجِدُ مِنْ حَولِهِ كَثْرةً كُبْرى تَتَسَابَقُ إلى احْتِرَامِهِ وَمَدِّ يَدِ الـمَعُونَةِ إلَيْه.
عَلَى أنَّ أحْدَاثَ هذِهِ القِصَّةِ وَاقِعَةٌ، يَسْري بِحَدِيثِها الرُّكْبَانُ وَيَتَغَنَّى بفَصْلِهَا الأَخيرِ أَشْهَرُ الـمُطْربينَ وَالـمُطْربَاتِ.. وَإنَّهَا لَتُعَدُّ بِحَقٍّ وَاحِدَةٌ مِنْ رَوَائِعِ قِصَصِ الشّعُوب.