تخطي إلى المحتوى
النساء أعدنَ كتابة التاريخ السوري..فمَن يشيّد محكمة الضمير؟

النساء أعدنَ كتابة التاريخ السوري..فمَن يشيّد محكمة الضمير؟

طيلة سنوات الثورة السورية، كانت شهادات الضحايا مادة يُبذل من أجلها الكثير، كونها أساس مواجهة سردية دأبت آلة الإعلام الأسدي والوسائل الإعلامية المتحالفة معه على تقديمها للعالم كحقائق عما يجري في البلد. وقد برزت في السياق، الشهادات النسائية التي بيّنت جانباً خطيراً من الاستهداف الكبير الذي تعرض له المجتمع السوري.

الشغل الذي حاول الإحاطة بهذه الشهادات أدى في المحصلة إلى تحولٍ تدريجي في بنية السرد ذاته، حيث صارت الحكاية أرشيفاً مفتوحاً من الشهادات المتجاورة، أي أنها لم تعد تُكتب كرواية مكتملة تُنسب إلى مؤلف واحد، وهنا يتقدّم في النص صوت الناجيات والناجين ليكون مادة أولية للتاريخ، لا مجرد هامش له.

ضمن هذا التحول، اكتسبت أعمال توثيق سرديات النساء موقعاً مركزياً، لأنها لا تكتفي بسرد ما جرى، بل تعيد مساءلة الطريقة التي يُرى بها الحدث نفسه، ومَن يُسمح له بأن يتكلم عنه.

وفي هذا المسار، أطلقت منظمة "النساء الآن" في أيار الماضي، الجزء الثاني من كتاب "عدالة المكان"، بعد عامين على إصدار الجزء الأول، القائم بشكل رئيس على تدوين مرويات نساء سوريات ينتمين جغرافياً إلى بلدات وقرى ريف دمشق، عشن تجربة التهجير القسري، مع دراسة مستفيضة تبحث في خلفيات الحدث ومؤدياته وتأثيراته في حيواتهن. وذلك بهدف "التعمّق في الأبعاد الاجتماعية والعلائقيّة للخسارات والانتهاكات التي تعرّضت لها مجموعات كبيرة من النساء وعوائلهن نتيجة جريمة التهجير القسري التي مارسها عليهنّ بشكل رئيسي النظام السوري وحلفاؤه"، والذهاب نحو "نزع مفهوم التجريد والترقيم والتجميع للضحايا، هنّ لسنّ أرقاماً، ولا مجموعات من الأفراد المتشابهة، فلكلّ منهنّ حكايتها وتجربتها وشخصيّتها وأحلامها وواقعها وأفراحها وآمالها وخساراتها، وإنّ فعل السرد والتذكّر هو الكفيل بأنسنة الأرقام والملفّات، بإظهار شخصيّة كل امرأة وكيف عاشت تلك الخسارات، ومن كانت قبل حدوثها، وكيف تأثّرت هي ومن حولها بها".

هذا الإصدار هو آخر ما حُرر في مسار منجز كبير تمت الإحاطة به على أيدي مجموعة من الأسماء الثقافية البارزة في المشهد السوري إضافة إلى عمل المنظمات التي اعتنت بشؤون ومعاناة النساء، وهدف إلى توثيق رواياتهن لسنوات نزوحهن ولجوئهن.

الروائية سمر يزبك قدمت هنا تجربة لافتة، من خلال جمع سرديات شفوية نسائية أو "أرشفة الذاكرة النسائية السورية"، ونشرتها في كتابها "تسع عشرة امرأة - سوريات يروين"، والذي بُني على مقابلات مع 55 امرأة سورية، اختارت منهن 19 شهادة تمثل تنوعاً جغرافياً واجتماعياً واسعاً، لتكون خطوة في مقاربة "حقيقة التراجيديا السورية".

أما الشاعر جولان حاجي، ففي كتابه "إلى أن قامت الحرب: نساء في الثورة السورية"، قام بتحرير روايات نساء سوريات شاركن في الثورة وشهدن تحولاتها، من لحظات الأمل الأولى إلى الحرب والدمار والنزوح، واضطلعت منظمة "استيقظت" بتسجيلها كمقابلات بين ربيع 2011 وربيع 2013، في دمشق وريفها، إضافة إلى مقابلات أخرى خارج سوريا.

وبالإضافة إلى متابعة سرد النازحات المهجرات قسرياً والنساء اللواتي شاركن في وقائع الثورة، كانت ثمة محاولات لرصد واقع النساء المعتقلات، وهذا ما قامت به الباحثة لمى قنوت في كتاب "كي لا أكون على الهامش.. الذاكرة الشفوية لناجيات سوريات من الاعتقال"، الذي يوثق تجربة الناجيات المُشارِكات في ورشات وتدريبات منظمة "اليوم التالي"، و"تمثل تلك القصص جانباً من تجارب النساء مع العنف السياسي والاجتماعي وأشكال العنف الأخرى. وكل تجربة من تجاربهن لها خصوصيتها وآثارها المختلفة".

وفي مكان آخر، سعت الباحثة والناشطة ياسمين مرعي إلى تحفيز النساء السوريات في المنافي المتعددة، على تسجيل شهاداتهن، ضمن مختبر سعى إلى منحهن الأدوات الأساسية في الكتابة، ضمن إطار مشروع حمل عنوان "أصوات نسائية في المنفى" صدرت منه 7 أجزاء، احتوت شهادات عن التجربة التي خاضتها كل امرأة قدمت روايتها. والمشروع بحسب ياسمين هو "محاولة طموحة لإيقاف زمن الاختزال الذي يطحننا، وانتشال أذيال الإنسانية المتساقطة، وهمس الحكايا في آذان العالم عما زرعناه في بلادنا من حدائق، وما زلنا نجيد زرعها لكننا لا نريد لتربة الخوف أن تؤجل مواسمه أكثر. إنها فسحتنا لسرد تاريخ الماء قبل أن يُعبأ في زجاجة، ومنح الصورة المرتابة أبعادها وألوانها لتنجلي".

وعلى صعيد تحفيز النساء على تقديم منتج إعلامي خاص بهن، حاول الصحافي خالد خليل تدريب مجموعة من الشابات السوريات اليافعات على "أساسيات الكتابة الصحافية للمبتدئين"، بهدف تشجيعهن على خوض التجربة الإعلامية ولفتح المجال أمامهن لطرق باب الصحافة، وجُمعت 11 قصة خبَرية كتبنها في كتيب حمل عنوان "زهور فوق الركام" وأصدرته الشبكة السورية للإعلام المطبوع في تركيا.

أما الكاتبة السورية سلوى زكزك، فقد عملت في مناطق سيطرة النظام على تسجيل الوقائع اليومية سرداً، وكان لحكايات النساء جزء كبير من النصوص اليومية التي دأبت على نشرها في صفحتها في فايسبوك. لكن هذا النشاط الإلكتروني لم يكن مُنجز سلوى الوحيد، فقد اشتغلت على دفع نساء إلى فضاء الكتابة ضمن ورش متعددة أقامتها في مدن سورية عديدة، واستضافت فيها آخرين كالروائي الراحل خالد خليفة، وجُمعت نتائج التجربة تحت عنوان "نكتب لننجو" في أربع مجموعات قصصية هي: "نكتب لننجو"، "النقش على جدران المدينة"، "اختباء على الحافة"، و"عشبة الذاكرة".

بالتأكيد، هذه التجارب ليست كل ما أُنجز، لكنها تؤشر إلى وجود مادة ثرية، فهي ترسانة ذاكرة حية وليست مجرد جهد توثيقي بارد. هذه النصوص تخوض معركة شرسة ضد النسيان وطمس الجريمة، لتتحول الكلمات إلى أداة مبكرة من أدوات العدالة الانتقالية. فقبل انعقاد المحاكم القضائية، تتشكل "محكمة التاريخ والضمير" لتصبح هذه الكتابات وثائق إدانة غير قابلة للمحو، وبوابة تشافٍ جماعي. ومن هنا، يصبح التدوين ضرورة وجودية من واجب مؤسسات الدولة، كوزارة الثقافة وكذلك الشؤون الاجتماعية، لتحويل هذه المبادرات إلى مشروع مؤسساتي وثقافي متكامل. فالذاكرة السورية التي كانت في الماضي مشدودة إلى معركة إسقاط الديكتاتورية، أمست اليوم مهددة بالتبعثر في المنافي أو الطمس في الداخل، ومأسسة هذا المنجز هي الضمانة الوحيدة لإنقاذ الرواية السورية وتصنيفها، لتظل حقيقة ما جرى مَرجعاً حياً وعصياً على التزوير للأجيال المقبلة.

المصدر: 
المدن