تحت سماء دمشق، وفي مشهد لم تألفه العاصمة السورية منذ عقود، انطلقت فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب في دورة استثنائية بكل المقاييس. هذه العودة التي تأتي بعد انقطاع دام خمس سنوات، لم تكن مجرد استئناف لحدث ثقافي دوري، بل كانت إعلاناً صريحاً عن طي صفحة "البعث" وتراث النظام السابق، لتبدأ سوريا كتابة تاريخها من جديد تحت شعار يحمل دلالات عميقة: "تاريخ نكتبه، تاريخ نقرؤه".
في مدخل مدينة المعارض الواقعة على طريق المطار الدولي، والتي غصت بآلاف الزوار منذ الساعات الأولى للافتتاح، برز "لوغو" المعرض الجديد ليعكس فلسفة المرحلة القادمة. لقد اختار القائمون على الحدث أربعة رُقم حجرية ترمز لحضارة أوغاريت، تلك الحضارة التي قدمت للبشرية أول أبجدية مكتملة في التاريخ منذ عام 1500 قبل الميلاد على شواطئ المتوسط. هذا الاختيار لم يكن محض صدفة، بل هو استدعاء للهوية السورية الحضارية العميقة التي تتجاوز الأيديولوجيات الحزبية الضيقة التي خيمت على المشهد الثقافي لعقود.
احتفاء خليجي في قلب الفيحاء
تجلت ملامح التغيير الجيوسياسي والثقافي في اختيار المملكة العربية السعودية ودولة قطر ضيفي شرف لهذه الدورة. هذا الحضور الخليجي الوازن عكس رغبة سورية في العودة إلى محيطها العربي الطبيعي. الجناح السعودي، الذي كان قبلة للجمهور في اليوم الأول، تحول إلى ساحة احتفت بالتراث والفلكلور الشعبي على وقع الأهازيج وفوح البخور.
ولم يكن الحضور السعودي مجرد بروتوكول، بل تمثل بوفد رفيع المستوى برئاسة وزير الثقافة الأمير بدر بن فرحان، الذي لم يكتفِ بزيارة المعرض، بل جال في أروقة المتحف الوطني بدمشق برفقة نظيره السوري محمد ياسين صالح. هذه الزيارة أثمرت عن توقيع اتفاقيات تعاون ثقافي وفني وتراثي، تؤسس لمرحلة جديدة من العمل المشترك. كما استعرض الجناح السعودي النجاحات اللافتة التي حققتها حركة النشر في المملكة في السنوات الأخيرة، مؤكداً على الدور الريادي الذي باتت تلعبه الثقافة السعودية في المنطقة.
من جانبه، قدم الجناح القطري لوحة ثقافية متكاملة، حيث استقبلت فرقة "الخور" للفنون الشعبية الزوار بأدائها التقليدي المميز. وفي لفتة أدبية لافتة، احتضن الجناح القطري حواراً مع الروائي السوري البارز نبيل سليمان بعنوان "سورية نفحات الياسمين"، وهو كتاب يستعرض شجون الثقافة وأهلها في ظل التحولات الكبرى.
عودة النخبة والمنفى الاختياري
لعل أبرز ما ميز هذه الدورة هو مشهد "عودة الأرواح" إلى جسد الثقافة السورية. فالمعرض شهد عودة دور نشر كانت قد غادرت البلاد قسرياً أو اختارت المنفى، مثل دار "موزاييك" و"ممدوح عدوان" و"المتوسط". هذه العودة ترافقت مع مشاركة عربية ودولية واسعة ضمت أكثر من 500 دار نشر من 35 دولة، بينها تركيا وباكستان والكويت ولبنان وعمان، ليعرضوا معاً ما يربو على 100 ألف عنوان كتاب.
المفكر السوري برهان غليون، الذي عاد من منفاه الطويل، كان أحد الوجوه البارزة التي زينت البرنامج الثقافي، إلى جانب نخبة من المثقفين العرب والسوريين مثل عبدالله الغذامي، ويوسف المحيميد، ومحمد جمال باروت، وأحمد البرقاوي. هؤلاء المجتمعون تحت سقف دمشق، ناقشوا في ندواتهم وأمسياتهم الشعرية قضايا الفكر والأدب، في وقت بدا فيه أن المثقف السوري يستعيد دوره في صياغة الوعي الجمعي بعيداً عن الرقابة الصارمة.
الناقد السعودي الكبير عبدالله الغذامي، وصف المعرض بأنه "ذاكرة المعارض العربية"، مشيراً إلى أن البنية الثقافية السورية قوية جداً لدرجة أنها تستعيد دورها مهما اهتزت. وأكد الغذامي أن المشاركة السعودية هي مسؤولية علمية وأخلاقية، واحتفاء بعودة سوريا إلى وضعها الطبيعي، معبراً عن سعادته الشخصية بهذا الانفتاح الذي يعيد للمثقفين العرب جسور التواصل التي انقطعت.
تحديات الورقي وأحلام الرقمي
رغم الزخم الجماهيري الذي وصل إلى 40 ألف زائر في اليوم الأول، بتسهيلات لوجستية قدمتها وزارة الثقافة عبر حافلات مجانية، إلا أن المعرض لم يخلُ من التحديات. الاقتصاد السوري المرهق فرض ظلاله، حيث غابت بعض دور النشر الكبرى لعدم قدرتها على التماشي مع سياسة تخفيض الأسعار المطلوبة لتناسب القوة الشرائية للمواطن السوري.
وعلى صعيد المحتوى، سجل المراقبون غياب "الثيمة" الموحدة للندوات الثقافية، حيث كان من المأمول أن تركز النقاشات بشكل أكثر عمقاً على قضايا ملحة مثل "أدب المنفى" أو معضلة "النشر الرقمي". ففي الوقت الذي تعاني فيه الجامعات السورية من تراجع الكتاب الورقي لصالح النسخ الإلكترونية، تفتقر البلاد حتى الآن لنظام "إيداع وطني" للكتاب الرقمي، مما يترك حقوق المؤلف والناشر في مهب الريح. كما لوحظ غياب ملحوظ لتطبيقات القراءة الشهيرة ومنصات الكتب المسموعة التي باتت ركناً أساسياً في المعارض العربية الكبرى لمراعاة شريحة فاقدي البصر والجيل الجديد من القراء الرقميين.
حوار التنوير في دمشق: غليون والغذامي يرسمان ملامح العقد الثقافي الجديد
لم يكن حضور الدكتور برهان غليون، المفكر السوري العائد من منفاه، والدكتور عبد الله الغذامي، الناقد السعودي الذي يمثل مدرسة "النقد الثقافي"، مجرد مشاركة عابرة في جدول الندوات، بل كان بمنزلة "الحدث داخل الحدث". لقد اجتمع الاثنان في فضاء دمشقي كان لسنوات طوال حكراً على صوت واحد، ليقدما نموذجاً لما يجب أن تكون عليه التعددية الثقافية العربية في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى.
برهان غليون: العودة إلى "نقد السياسة" من الداخل
في ندوته التي حشدت مئات المثقفين والشباب، بدا برهان غليون وكأنه يستكمل مشروعه الذي بدأه في السبعينيات، لكن هذه المرة بلمسة واقعية فرضتها سنوات الغربة وأوجاع الداخل. ركز غليون في أطروحاته بالمعرض على فكرة "استعادة الثقافة من قبضة الاستبداد"، معتبراً أن دور المثقف السوري اليوم هو إعادة بناء الهوية الوطنية على أسس ديمقراطية بعيدة عن الإقصاء.
تحدث غليون بعمق عن أن الثقافة ليست مجرد نصوص تُقرأ، بل هي ممارسة للحرية. وقد اتسمت كلماته بنبرة تصالحية مع الذات الوطنية، حيث دعا إلى ضرورة أن يكون الكتاب السوري اليوم أداة للجسر لا للكسر، مشدداً على أن عودة دور النشر المغتربة إلى دمشق هي الخطوة الأولى نحو "لمّ الشتات السوري" على مستوى الوعي والوجدان.
عبد الله الغذامي: دمشق بوصفها "ضرورة أخلاقية"
على الضفة الأخرى، قدم الدكتور عبد الله الغذامي قراءة مغايرة لمفهوم الحضور الثقافي العربي في سوريا. الغذامي، الذي يُعرف بصرامته في نقد الأنساق الثقافية، تخلى في دمشق عن "مشرط الناقد" ليرتدي عباءة "المحتفي". اعتبر الغذامي أن وجود المثقف السعودي في دمشق ليس ترفاً، بل هو استجابة لنداء "المسؤولية العلمية والأخلاقية".
طرح الغذامي رؤية لافتة حول "البنية الثقافية السورية"، واصفاً إياها بأنها بنية "ولّادة" لا تموت بموت الأنظمة أو تغير الظروف السياسية. وفي نقاشاته الجانبية والعلنية، ركز على فكرة "التنفس الثقافي"، معتبراً أن العرب اليوم بحاجة إلى الرئة السورية لكي تستقيم حركة الفكر العربي.
التقاء الأفكار: نحو كتلة تاريخية جديدة
ما ميز حضور القطبين هو حالة "الاشتباك الإيجابي" مع الجمهور. فقد شهدت الندوات أسئلة جريئة حول مستقبل الحريات، ودور المثقف في مواجهة التحديات الاقتصادية، ومدى قدرة الثقافة على ترميم ما حطمته الحرب. ورغم اختلاف المشارب بين غليون "السياسي المفكر" والغذامي "الناقد الثقافي"، إلا أنهما اتفقا على أن دمشق هي المختبر الحقيقي لأي نهضة عربية قادمة.
لقد عكس هذا الثنائي ملامح "العقد الثقافي الجديد" في سوريا؛ عقدٌ يقوم على قبول الآخر، والاعتراف بالعمق العربي (الذي مثلته السعودية كضيف شرف)، والتمسك بالأصالة السورية التي لا تمحوها سنوات الغياب.