تخطي إلى المحتوى
عدنية شبلي تكسر صمتها: "ما مكان النّكرات في الأدب؟" عدنية شبلي تكسر صمتها: "ما مكان النّكرات في الأدب؟" > عدنية شبلي تكسر صمتها: "ما مكان النّكرات في الأدب؟"

عدنية شبلي تكسر صمتها: "ما مكان النّكرات في الأدب؟"

أفضتْ عدنية شلبي بشهادةٍ إلى صحيفة "ليبراسيون" الصادرة بتاريخ 13 كانون الثاني 2024، ضمّنـتـها مكنونات ما شعرت به تجاه مسألةِ قرار حجب الجائزة عنها في سياق نشاطات معرض فرانكفورت للكتاب الخامس والسبعين. وكانت قد اعتذرت من الصحيفة ذاتها إثـر انتشار الخبر بذريعة انقباض مشاعرها نتيجة تـداعيات الحـرب على غـزّة. 

لم يكن حال عدنية شبلي سويّا إثْـر السّابع من أكتوبر الماضِي. فرَغ بالُهَا فراغًـا مِن يأس. باتتْ، وسط الدَّويّ العميق الَّذي أحدثَـته الحرب، خارج كلماتها. لم تـتمكّن من الوصول إلى مشاعِرهَا "منذ أن تجاوزتْ الأعمال الوحشيّة الأخيرة عتبة جديدة..". انقطعَت عن سياقِ تواصُلها المألُوف مع النَّاس والأشْياء. تذكر أنَّ المقال الوحيد الّذي تمكنَّت من قراءته حتّى النهاية يعود تاريخه إلى 4 اكتوبر، من موقع اسرائيلي، عن الثعبان الَّذي حاول ابتلاع القـنـفـذ فعلق في فمـه فـمَاتَـا كلاهما.

كان اليأسُ قد أصاب روحها بالشّلل. اختفت الكلمات. باتت غير قادرة على القراءة. تساءلتْ "عما إذا كانت هذه نبوءة حيوانية" يمكن أن يقع تأويلها "على الإسرائيليين والفلسطينيين؟ المتميزين والمحرومين؟ واقعنا وآمالنا؟ الحياة والموت؟ اللغة وأنا؟ إنني أتهم، مرارًا وتكرارًا، الثعبان والقـنـفـذ القـتيـليْن، باليأس والـفـراغ الخاصَّيْن بي".

وتعاقـبَتْ خلال أيَّام أخبارٌ تستهدفُها في الصَّميم. عـلمَتْ فجأة بالمقال المنشور في صحيفة ألمانية كتبه غاضب على حصول روايتها "تفصيل ثانوي" على الجائزة (من قبل لجنة تحكيم مستقلة في جمعية ليتبروم، وهي الجهة المنظمة، قبل شهور. وكان من المفترض أن تقدَّم لها الجائزة ضمن فعاليات معرض فرانكفورت للكتاب الخامس والسبعين). خلَّف لديْهَا الأمرُ انطباعًا "بوجُودِ محاولة ساخِرة لصرفِ الانتباه عن الألم الحقـيقـي، ألم الآخَرين الَّذي لا يُمكننا أن نختبرَهُ بأنفسِنا أو أن نـنفُـذُ فِيه تمامًا، بخلاف ذلك، لم أشعر كثيرًا، كان الفراغ أقوى وأكثر غدرًا، واستمر في إرباكي".

بعد ذلك، تبلّغت في الثالث عشر من أكتوبر عبر بريد مقتضَب قـرار إلغاء حفل تكريمها وتسليمها الجائزة الّذي كان مُقـرّرًا أن يجري في العشرين من الشّهر المذكور. لم ينتشلها الخبرُ من برودة المشاعر. مضى فكرها فورا نحو السؤال عن إمكان تغيـير الأشياء في الواقع استنادا إلى تلفيق الكلام وترميغه بمثل هذه السرعة والسهولة، واختلاق حـقـائق موهومة من قبَل أشخاص في الصّحافة والمؤسَّسات الثقافيّة في ألمانيا: أنّ الرواية تروِّج للعنف ضد الاسرائيليين، وأنَّها ناشطة سياسيا في اتجاهات مُناهضَة لاتّسام نظامهم بالعنصريَّة.. وأنَّ قرار إلغاء الحدث تمّ اتّخاذه بمشاركتها. وتـلوح في فكرهَا خاطِرة ساخِرة: "التَّـلفـيقـات الأدبية من المخيال الأدبي لا تتمكن أبدًا من إحداث مثل هذه التأثيرات في الواقع، وهو أمر -ربما- ليس سيئًا للغاية".

لاذَت شبلي، كما هو لائقٌ بمصْداقِـيَّة كاتِب رصِين، إلى فِكرةِ "الأدب" عيْنها كأنَّهـا لتـلتـقـطَ منه، في لحظةِ انهيار ما هو حائطٌ بهَا، الإيمانَ بهِ، هو الَّذي بات، في قلب المساحاتِ الفسيحةِ التي يتباهَى بها الكتابُ في فرنكفورت ومعرضها ذائع الصّيت، موضعَ التّجديف للضّرورةِ القاضيةِ باسْتدراكِ ما يُمكن اسْتدراكه من اللعب خارج حدود الوقائع الفظَّة.

الناقِـدُ الغاضِب، تقول شبلي، "بقدر ما يمكن أن نسمّيه ناقِدًا أدبيّاً، أعطاني المـزيد ممّا يمكن ان أفكِّر فيه. هو يدّعي أن بعض الشخصيّات في الرواية، تحديدًا الإسرائيلية منها، وهم الجنود الَّذين قاموا بعمليَّة اغتصاب البدويَّة وقـتـلها (في صحراء النقب عام 1949)، ليس لهُم أسماء ولا وجُـوه...". لكنَّه انفصام الذكاء، لأنَّها حجّة مستخدَمة للدفاع عن وجهة نظره الأيديولوجيَّة حيث يعدم بالتجاهُل وجود شخصيّات أخرى بلا اسم ولا وجه. "هو لا يلاحِظ ذلك في الشخصيَّات الفلسطينيَّة، لأنّه لا يراها ولا يعتبرها موجودة إلّا مجهولة الهويَّة ومجهُولة الاسم...".

تُمعِنُ شبلي في محاولة فهم ذلك عـبر توضيح ماهيَّة الكتابة لديها. لقـد نبّهَـتـها الملاحظةُ إلى السَّبب الدَّاعي إلى "ظهور هذه الشخصيات المجهولة الهوية ومجهولة الاسم في معظم نصوصي دائمًا، وليس فقط في روايتي الأخيرة. ثم بدا لي أن حساسيتي الأدبية تأتي من غياب الوجه والاسم الذي واجهته طوال حياتي في فلسطين/ إسرائيل، وفي أماكن أخرى، في ما يتعلق بالعرب، وليس الفلسطينيين فقط، أيضًا...". إنّها الطّريقة التي يتمّ تمثيلهم بها من قِـبَل المُهيمِـنين في الواقع... إنه غيابهم المُذهِل: "ما هو المكان الَّذي يمكن أن يجده المجهُولون، والنّكِرات، أولئك الَّذين لا شيء... في الأدب؟".

معرض الكتاب هو احتفال بالألفة العميقة الداخلية للكتابة، "كان هذا سياق عمليَّة جارية في معرض فرنكفورت حين انتشر الخبر بإلغاء احتفال تقديم الجائزة".. ثمّ بعد ذلك بإصدار بيان صحفيّ يفيد بأنهم يريدون إعطاء مساحة أكبر للأصوات الإسرائيلية واليهودية... ثـمّ بعد ذلك بما كتبتهُ لي ليتبروم "بطريقة غير لائقة لتخبرني أنه يمكنهم أخيرًا تنظيم اجتماع... حاولتُ الردّ بوضْع السخط جانبًا، موضحة أنني لست دمية في يد أحد، وبما أنه لا أحد يستحق أن يكون دمية، فأنا لست دمية في يد أحد؛ وأن إلغاء لقاءاتي، ثم إلغاء إحدى الإلغاءات، كان مثل أطفال يلعبون في قطف زهرة الأقحوان لينزعوا بتلاتها وهم يقولون: «يحبني، بشغف.. لا، لا يحبّني على الإطلاق. كـتبتُ أنَّ شركة Litprom، على مدى سنوات عديدة من العمل، ربما لم تفهم بشكل كامل الكاتبات من الجنوب العالمي اللواتي تمنحهنّ جائزتها. ومن المؤكد أنهم ليسوا دمى يلعب بها زعيم أوروبي متميز من الشمال العالمي... وأنا هنا لا أتحدّث عن شخص معيَّن أو جنس أو عِـرق، بل أتحدث عن عَـقـليَّة سائدَة.".

تلـزَم عدنية شبلي جانب الأدب (Literature) في "مُرافعـتها" التي أرادتها بوْحًـا عـميقـا لا تـتبدَّى المُحاججة فِيه إلَّا الـتزامًا بِالقِـيَم الَّتي دفعت يومًا ما نحو منحها الجـائزة. وبلطافة بالغة تُـذكِّر بتعـبير الشّاعر إيـمي سيزير عن إمكان "الكتَّاب والنِّساء في جنوب العالَم بشكل عام، أن يصيروا نُمُورًا يزأرون عندما يُصبحُ ما يعتزُّون به كثيرًا خلال حياتهم، على المحكّ". "هكذا وصلوا إلى ما هُم عليه، بالرّغمِ من الرّياح المعاكسة والصّعوبات التي واجهوها، وكيف أنهم لا يسمحون لأنفسهم أن تؤثّـر عليهم العقَـبات العنصريَّـة الصّغيرة اللطيفة التي تعترض طريقهم من أثَـر عـقـليَّة وسلوك شمال العالَم".

ولا يبدو أن شبلي عوَّلت على صوْت الزّئـير وإنَّما على إضمار المُحاجَجة على إخلاصٍ لمفهوم الأدب عمومًا. تطرّقـت إلى المدى الفعلي لارتباط الأدب بالواقع، وإلى الفعل الكتابي واللغة والشّكل السّردي وسألت بحرقـةٍ كما يبدو عن كيفيَّة "الثّـقـة باللغة عندما تجلب لكَ المعاناة، وعندما تتخلّى عنك، وعليك أن تواجهَ القسوةَ بمفردِكَ، بـلا صوْت..."، وعن الخوف من فقدان اللغة بالإشارة إلى حدود الواقع وحدود اللغة ذاتها.

ولعلّ الفـقـرة الواردة في سياق "المرافعة" تُعبِّر عن الرُّوح الأدبية من جهـتها تمامًـا: "بالنسبة لي، الأدب والأخلاق متشابكان منذ الطفولة. وفي اللغة العربية كلمة الأدب والأخلاق هي نفسها: الأدب. لكن البيان الصادر عن معرض فرانكفورت للكتاب يشير إلى شيء آخر. ويعكس منطقَ إقصاء الرؤى السياسية الدقيقة، فيقول: "من أجل أن يكون هذا، فإنّ ذاك لا يمكن أن يكون، أو أن هذا الإنسان له قيمة أكبر من ذاك. ونحن نلاحظ هذا المنطق في الأيديولوجيات القومية، وعلى نحو متزايد، في خطاب الحكومات، في ألمانيا وفي أماكن أخرى".

المصدر: 
النهار العربي