ونحن على أبواب افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب بنسخته الأولى بعد التحرير، يأتي السؤال، ماذا تعني عودة الكتاب والكلمة إلى الواجهة الثقافية من جديد، بعد سنوات من الغياب والصمت؟
وسط تقديم مجموعة من الفعاليات الترويجية للمعرض من قبل اللجنة المنظمة، تبرز مبادرات وأحداث تستدعي التوقف عندها، مشاريع النشر الأول للمواهب الجديدة، توقيعات مباشرة على الإصدارات الحديثة داخل الأروقة وبين الكتّاب والجمهور، إضافة إلى دور نشر تحضر إلى دمشق للمرة الأولى، وعناوين جريئة تعود إلى الضوء بعد أن غابت طويلاً عن المشهد الثقافي في سوريا.
وهنا، يبدو المعرض وكأنه يراهن على فكرة الاحتفاء بالبداية، أكثر من كونه إعلاناً مبكراً بالإنجاز، فهو المعرض الأول للكتاب بعد سنوات من الاستبداد والتسلّط الفكري فرضها النظام المخلوع، حدث نوعي بزمانه ومكانه، يدخل في مجمله ضمن خانة “المرّة الأولى”. كل ذلك يجعل من المعرض أكثر من تظاهرة ثقافية تُقام سنوياً، ليغدو تمريناً على الخيال والأمل، واستعادةً لثقة المبادرة.
الحدث وشغف البدايات
تعيش دمشق هذه الأيام حالة ثقافية نادرة، تبدو فيها المدينة أشبه بورشة عمل مفتوحة، الجميع يترقّب الحدث، من كتّاب ومثقفين، إلى مطابع ودور نشر، وصولاً إلى شباب وأطفال يتوقون لرؤية فضاء معرفي واسع بحجم معرض دمشق الدولي للكتاب.
ومن الدور التي تتحضّر اليوم للمشاركة، دار “الفكر”، التي عايشت طويلاً واقع الكتاب والنشر في سوريا. يقول المسؤول الإعلامي للدار، وحيد تاجا لـ” الثورة السورية” عن مشاركتهم القادمة: “هو فعل استعادة للمعنى قبل أن يكون حضوراً مهنياً، بعد سقوط منظومة الرقابة والخوف التي كبّلت الحياة الثقافية لعقود طويلة. نعتبر هذه المشاركة بداية جديدة تعيد الكتاب لمكانته الطبيعية كفضاء حر للتفكير والتعبير. نحن أمام معرض يولد في بيئة مختلفة، تسمح للكتاب أن يقول ما يريد، ولدور النشر أن تنشر ما تراه، وللقارئ أن يختار من دون وصاية. هذا التحرر من الخوف هو ما يمنح المعارض قيمتها الحقيقية، وبرأيه، يبقى الكتاب أحد أهم الأدوات لترميم الذاكرة الجماعية، وصياغة المستقبل، وفتح نوافذ جديدة للمعرفة والأمل.
في هذا الإطار، يقول الكاتب إحسان الطالب لـ “الثورة السورية”، وهو مؤلف وناشر في دار “العرّاب”، حول مشاركتهم في معرض الكتاب القادم: “أعتقد أن هامش الانفتاح الثقافي المتعدد والمتنوع سيكون واسعاً، وبعيداً عن المنع والحظر والإقصاء.
سنقدّم ما يقارب مئة عنوان جديد من إصدارات الدار، إضافة إلى مئات العناوين في الأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم، مع اهتمام خاص بالرواية والشعر والترجمة”.
وبدورها، ترى الأديبة فدوى العبود خلال حديثها لـ “الثورة السورية” أن هذه الدورة “تُعدّ استثنائية، كونها الأولى بعد التحرير، ومعها يشعر الإنسان السوري بانفتاح الشهية للخوض في الشؤون السياسية والنقاش الفكري الذي كان محرّماً سابقا”ً.
وتضيف: “المعرض لحظة خاصة ينتظرها الكثير من الكتّاب. العام الماضي، حين زرت معرض الكتاب في تونس، أعادني إلى الوراء، وكأنني طفلة صغيرة تزور المعرض للمرة الأولى. وبعيداً عن العاطفة، ومن وجهة نظر موضوعية، يبدو أن هناك جهوداً تُبذل لإعادة الإنسان السوري إلى الفعل الثقافي، ونحن كسوريين نبحث عن بداية حقيقية، والثقافة هي خير البدايات”.
وتبدي العبود رغبتها، ككاتبة، بلقاء دور النشر والانخراط في الحوارات الثقافية الحرة خلال المعرض، التي حُرمت منها لسنوات طويلة، حين كان الحذر والخوف طاغيين، والأدلجة الفكرية سائدة. وتشبه الحدث بالنسبة للكاتب بجني الثمرة، إذ يمضي وقته خلال العام بين أوراقه وكلماته، وينتظر مثل هذه الأحداث لتعزيز التبادل الثقافي والفكري مع الكتّاب والمفكرين.
مشاريع “لأوّل مرة”
أطلقت اللجنة المنظمة للمعرض عدداً من المبادرات والمشاريع النوعية، في محاولة لإشراك فئات من الشباب والمهمّشين ثقافياً من كتّاب وناشرين في الحدث. من بينها مشروعا “سند” و”زمالة دمشق”، وهو برنامج موجّه إلى الناشرين السوريين والعرب والدوليين، بهدف دعم شراء حقوق الكتب وترجمتها.
إضافة إلى ذلك، أُطلق مشروع “الكاتب الصغير”، وهو مبادرة مخصّصة للأطفال واليافعين، تهدف إلى تنمية مهاراتهم في الكتابة الإبداعية، إلى جانب مشروع “كتابي الأول”، الهادف إلى دعم الشباب في إصدار كتابهم الأول، وتمكينهم من دخول عالم النشر بشكل مؤسسي واحترافي.
حول أهمية مشروع “كتابي الأول”، يقول وحيد تاجا لـ “الثورة السورية”: “مثل هذه المبادرات تمنح الشباب فرصة الظهور والنشر بعد سنوات طويلة من التحجيم، المهم أن تُدار بمعايير مهنية واضحة، وأن تضمن للكاتب الشاب بنية نقدية حقيقية تساعده على التطور والتقدم، ونحن، كدار فكر، مستعدون للتعاون مع أي مبادرة تعيد الاعتبار للكتاب والكاتب عموماً، وتفتح باباً جديداً لجيل مبدع من الشباب السوريين، من التحرير إلى التوجيه، لبناء مشروعهم الأدبي أو الفكري المستقل.”
في هذا الجانب، ترى الروائية غفران الطحان خلال حديثها لـ “الثورة السورية” أن المشروع مهم ويجب دعمه، في حال توجّه بشكل عادل إلى جميع الشباب دون تمييز، وتستذكر تجربتها القصصية الأولى “كحلم أبيض”، التي نشرتها على حسابها الشخصي بأجرٍ مكلف ككاتبة مبتدئة، رغم الاهتمام العربي الذي لاقته حينها، معتبرة أن تبني وزارة الثقافة في سوريا لمشاريع دعم الكتّاب الشباب مستقبلاً سيكون خطوة أساسية للانطلاق بمشوارهم الأدبي.
وعن مشاركتها في المعرض القادم وخوضها تجربة الاحتكاك المباشر مع الجمهور، تقول الطحان: “هي المرة الأولى التي أشارك فيها في معرض للكتاب بصفتي كاتبة، لذلك أشعر بالرهبة الجميلة. الموضوع مربك ومشوق في آن معاً. لقاء القرّاء وجهاً لوجه وردود الأفعال سيجعلان الحماسة عالية، والمسؤولية أكبر أيضاً”.
وحول إصداراتها الموجودة خلال المعرض، تضيف: “سأوقّع كتابين، رواية “فاصلة بين نهرين”، الصادرة عن دار “موزاييك” للدراسات والنشر في تركيا، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة “غسان كنفاني” الروائية، والعمل الثاني مجموعة قصصية بعنوان “ضوء في الشرفة”، صدرت عن دار “نرد” للنشر والتوزيع في ألمانيا، وتتضمن قصصاً عن واقع سوريا في ظل الثورة والحرب بأسلوب رمزي عميق، وقد شاركت في معارض عربية وعالمية عديدة.”
بدوره، يشجّع الكاتب إحسان الطالب، على إقامة منتديات خاصة للكتّاب الشباب ضمن المعرض، وإتاحة فرص النشر، خاصة في ما يخص الدراسات والأبحاث العلمية، مشيراً إلى وجود خطة لهم خلال المعرض لمساعدة الكتّاب على التواصل مع جمهورهم، والتوقيع على النسخ المباعة، واستضافة كتّاب مميزين .
أما الكاتبة فدوى عبود، فترى أن مرحلة الإعداد والتحضير لهذه المبادرات، لاسيما مشروع سند، تمثّل بوصلة للبداية فقط، معتبرة أن وزارة الثقافة يبدو لديها هاجس الاستدامة والتأسيس لما هو أبعد في المستقبل.
وسط هذه الآمال، وبين جمالية التجربة الفردية للكتّاب والناشرين والقرّاء، والحكاية الجماعية لوجدان السوريين، ينطلق معرض دمشق الدولي للكتاب حاملاً التطلعات نحو جيلٍ أكثر وعياً، يدرك أهمية الكلمة والكتاب في المستقبل.