كنت نشرت نصًا بهذا العنوان في ملحق صحيفة النهار الثقافي بتاريخ السبت 4 شباط 1995 ووضعت له عنوانًا ثانويًا هو: "عن الرياضة... والشباب... وجمهور كرة القدم في لبنان".
ها أنا اليوم أستعيده (بمناسبة المونديال) مع إضافة أخيرة مناسبة تدخل في التحليل مستجدات وتطورات ما بعد العام 1995.
من مرحلة الطفولة الثورية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أذكر أننا كنا نستخدم تراثاً سوسيولوجياً وأيديولوجياً يدعونا إلى الحذر من ظاهرة التجمعات والجمهرات الرياضية . ولعلّ أحزابنا الطليعية آنذاك كانت تشعر بالغيرة لعدم قدرتها هي على حشد وتعبئة الجمهور بالقدر الذي تنجح فيه بعض مباريات كرة القدم على سبيل المثال. كان الجمهور يهرب من بين أيديها كما تهرب الكرة أمام أقدام اللاعبين. وكان انتقام أحزابنا من هذا العجز بسيطاً غاية البساطة: إسقاط تفسيرات وتحليلات "علمية ورؤيوية"، ما أنزل الله بها من سلطان، على ما كنا نعتبره، نحن العناصر الحزبية، حالة غوغائية تضلّل الجماهير وتلهيها عن قضاياها الرئيسية، وتصرفها عن همومها الطبقية الفعلية وعن متابعة النضال لأجلها.
وكنا نفلسف وظيفة تعبوية للرياضة، ووظيفة تخديرية مساوقة لها، وخصوصاً لرياضة كرة القدم، إلى حد أصبحت معه عند الماركسيين ، كما الدين أو صوت أم كلثوم، "أفيوناً للشعوب" و"سلاحاً ديماغوجياً خطيراً في يد الطغمة الحاكمة تعمل بواسطته على غسل دماغ الجماهير وعلى تسطيح النتاقضات وتوحيد أنماط ردود فعل الجماهير، وتبرير الواقع القائم، وتخدير الحس الثوري"... إلى آخر ما هنالك من تفسيرات.
وأذكر أيضاً أن صفوف الأحزاب الطليعية كانت تضيق بالرياضيين أو هي لا تستهوي أصلاً من عنده أدنى اهتمام بلياقته البدنية أو بسلامة عقله (مع أن جيلنا كان من جماعة العقل السليم في الجسم السليم) أو من يزور مدّرجات الملاعب نهار الأحد. وعلى الرغم من أن الجمهور اليساري عموماً كان جمهوراً مدمناً على كرة القدم، فإن الحديث داخل الحلقات الحزبية عن مباريات وانتصارات كان حديثاً محرماً. ومن كان ضليعاً في أمور كرة القدم كان يخشى على الدوام زلّة اللسان أو لومة اللائم أو وشاية العذّال... كما كان يخشى طلب نقل الاجتماع الاسبوعي من صبيحة الأحد إلى مساء أي يوم آخر، ففي الأمر حينذاك رائحة خيانة طبقية... وهي أقسى النكبات تحلّ بالأوادم . وفي مرحلة أكثر تعالماً وتذاكياً وجدنا في فرويد تفسيرات أجمل وأكثر سطوة من مجرد عبارات أيديولوجية. فكنا نلاحق كافة الأشكال الرياضية محأولين نبش تفسيراتها اللاواعية في الجنسانية الغرائزية وفي الرجوع إلى مرحلة الطفولة. ولم نكن لنعدم خيالات وتشابيه "بلا معنى"، على حد قول العجائز في قرانا.
وبالإجمال فقد قررنا أن الرياضة هي لهو غرائزي وضِيْع يُبعد الجماهير عن رؤية الأمور "بواقعية" و"تجرد"، وعن "التعرّف" على "حقيقة" النظام الاجتماعي وعن الاهتمام بالقضايا الأساسية.
كان الانتماء الرياضي مكروهاً كراهة العصبية العشائرية أو المذهبية الطائفية، إذ هما عبارة عن إجماع شكلي، عرَضي، زائف، يخفي التناقضات الطبقية والصراعات اليومية؛ في حين أن جهدنا الثوري الرئيسي كان بلا شك ينصبّ على توضيح التناقضات وإبرازها وعلى خوض الصراعات وتأجيجها. وكنا نستمد من واقعة تشكّل حزب الكتائب على قاعدة فريق رياضي خير دليل على صدق تحليلنا العظيم لمنشأ اليمين البورجوازي ولدور الرياضة في ذلك... ناهيك بالطبع عن دورة الألعاب الأولمبية في ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية التي رافقت صعود هتلر والنازية. وكنا نسقط المادية الجدلية على كل هذه الوقائع فنراها "راكبة"، ولا يبقى أمامنا سوى خطوات صغيرة لصياغة "اقتصاد سياسي" للرياضة ليتأكد لدينا أنها ظاهرة شكلية، عرَضية، مزيفة، في حين أن السوية المنطقية و"العملية" تستلزم كون الحياة وظواهرها المعقدة، جدلية بالضرورة، جوهرية ثابتة من وجه ومتناقضة متغيرة من وجه.
وكانت الظاهرة الرياضية عصية على هذا التحليل وتفلت من بين أيدينا، فلا نرى سوى أوجهاً غريبة على أفهامنا. ولا نرى غير ذلك الإجماع الشكلي العرضي الزائف... وشكلية الإجماع الرياضي وعرضيته تنبع من كونه يتبلور في مدرجات الملاعب وينتهي عند الخروج من البوابة الرئيسية. أما زيفه فمرده إلى أن لا شيء يمكن أن يجمع بين رئيس نادي النحمة وبين العامل الكادح في معمل غندور... على سبيل المثال لا الحصر طبعاً.
ألا يكفي هذا تدليلاً على أن الرياضة تخفي استغلالاً للجماهير وتلاعباً بها؟ ألا يكفي هذا للقول بأن الرياضة مجرد تعبئة أيديولوجية بورجوازية هدفها خلق أوهام تعويضية عن المآسي والأزمات الحقيقية التي يعيشها الكادحون؟ ألم يكتب أحدنا يوماً عن "الاقتصاد السياسي للصعود إلى القمر؟". فإذا كان الصعود إلى القمر إمبريالياً فكيف بانتصار النجمة على أرارات السوفياتي؟
غير أني، وقد تقدم بي العمر، وأصبحت أتحمّس مع ابني لمتابعة كرة القدم، لم أعتبر أن كل ما سبق من تحاليل طبقية هو أضغاث أحلام أو خرافات مثالية. فأنا لم أفقد الإحساس بالإنتماء إلى الفقراء والمستضعفين. ومن هذا الموقع لم أتخل عن الكثير من التفسيرات والتحليلات ذات الاعتبار والوجاهة. ولم أنقل بعد البندقية من كتف إلى كتف. بل جُلّ ما هناك أني وجدت كتفي وقد تعب فحاولت أن أعرف السبب: أهي البندقية ثقيلة أم هو الروماتيزم وما إليه من أعراض؟
وحين أنظر اليوم مجدداً إلى تراثي الفكري في قراءة الظواهر، لا أستطيع أن امنع نفسي من التفكير بصوت عال. حقاً إن الرياضة قد استخدمت في أحيان كثيرة كوسائل دعاية لأنظمة معينة أو لتحقيق إجماع وطني في مراحل الأزمات. ومثال إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية أو أرجنتين الكولونيلات أو مصر ما بعد النكسة، شاهد على كيفية استثمار انتصارات المنتخبات الوطنية في كرة القدم ككوابح للأعراض الثورية أو التغيير الداخلي.
كما أن الجانب الآخر من الصورة وهو جانب الاستقطاب الداخلي (أهلاوي- زملكاوي، نجمة- أنصار...إلخ، وفي كل بلد مثل هذا الاستقطاب) لا يخلو أيضاً من الوجاهة. فالنوادي الرياضية لم تكن بعيدة عن المداخلات السياسية وعن ألاعيب السياسة. والأمثلة أمامنا كثيرة عن استخدام رجال أعمال وكبار الرأسماليين من صناعيين ومصرفيين للأندية وترؤسهم عليها لتسويق صورتهم وتركيز سلطتهم والدعاية السياسية. فمن آكيلي لاورو في نابولي وعائلة أغنيلي في تورينو إلى عائلة بيجو في نادي سوشو وبرنارد تابي في نادي مرسيليا، إلى الحريري ودياب وغندور وعساف (وهي أمثلة إنتقائية لا حصرية وسابقة على الاستقطاب الطائفي اللاحق بعد العام 1990 ونشوء نواد جديدة في لبنان). إن رؤية هذا الجانب من الصورة تسمح لنا بمعرفة دور المال والسلطة، ودور الإعلام والسياسة، ودور الأيديولوجيا والأوهام، في مراحل ومنعطفات وتحوّلات تاريخية لشعب ما أو لدولة ما. غير أن ذلك لا ينبغي أن يكون هو دليلنا الوحيد إلى تفسير مقبول. فالتفسير الأقرب إلى الواقعية في هذا المجال لا يرى في الحماس الجماهيري لمنتخب وطني أو لنادٍ في مدينة كبرى، انجراراً وراء تعبئة أيديولوجية لنظام حاكم أو مجرد نزوات وغرائز مكبوتة، أو ركضاً وراء غايات شخصية، أو حملة إعلامية ورشوة حكام وبذل أموال، أو سوى ذلك مما قد يكون له تأثير أكيد وأحياناً حاسم، إنما هو وحده لا يفسّر ما يجري أمام أعيننا من ظواهر جماهيرية. فالنظام المصري لم يخلق الحماس الأهلاوي أو الزملكاوي بعد حرب 67. كما أن النظام الإيطالي أو الأرجنتيني أو اللبناني (في مرحلة ما بعد الطائف) ليس هو المتآمر لتضليل الجماهير أو جرّها وراء انتصارات وهمية في الملاعب.
وحين أنظر إلى النوادي الكبرى وإلى انقسامات المتحمسين لا أستطيع أن أمنع نفسي من رؤية سمة أساسية مشتركة. فهي نوادٍ لمدن كبرى أو عواصم أو دول منكوبة، مهمّشة بفعل تسلّط أو عدوان أو عزل خارجي، مهانة ذليلة، تحّن وتشتاق إلى عظمة تليدة ومجد زال، وإلى انتشاء بلحظات عز وانتصار. فيكون حماس هذه المدن أو الدول للأندية والفرق التي تحمل اسمها وعلمها وترفع عالياً هذا الاسم أو العلم، وتتحول انتصارات هذه الأندية والفرق إلى أيام عرس وطني تلأم الجراح وتعوّض آلام الحاضر. ألم يحمل العراقيون هذا الشوق في تصفيات آسيا لبطولة العالم في كرة القدم؟ ألم يحمله الأرجنتينيون بعد هزيمتهم أمام بريطانيا في حرب المالوين؟ ألم يحمله المصريون بعد حرب 67؟ ألم تحمله نوادي نابولي وميلانو ومرسيليا ومتز وبرشلونه؟ ألا يحمل البيروتيون هذا الحنين في صعود فريق الأنصار المتلازم مع إعادة الأعمار؟ ألا يحمل أبناء المناطق والطوائف روح الاتقضاض والانتفاض على آلية تطبيق الوفاق وإعادة الأعمار؟
وبعيداً من أن تكون الرياضة وكرة القدم تحديداً أداة في يد البورجوزاية لتمييع النضال الطبقي، كم من ناد وكم من مباراة تحولت أو كانت صاعقاً لمطالب ولنضالات واحتجاجات مثيرة ورائعة؟ لعلنا لا نذكر منتخب جبهة التحرير الوطني الجزائرية لكرة القدم الذي تشكّل من لاعبين مشهورين تركوا منتخب فرنسا وقاموا بجولة عالمية عام 1958 حاملين علم وشعارات الجبهة واستبقوا إعلان الاستقلال. ولكننا بالتأكيد نذكر تلك القبضات السود التي ارتفعت على منصةّ الفائزين في الألعاب الأولمبية باسم القوة السوداء في الولايات المتحدة الأميركية. ولعلنا نذكر أيضاً منتخب فلسطين وجولته العالمية في آواخر السبعينيات . ونذكر عماّل مصانع الحديد والصلب في منطقة اللورين الفرنسية الداعمين لمنتخب مدينتهم ميتز Metz والخارجين في تظاهرات شعبية صاخبة وغاضبة بعد فوز منتخبهم ببطولة فرنسا عام 1984.
ومن جهة آخرى نجد صحيفة "نابوليسيمو" التي يصدرها أنصار نادي نابولي، تكتب إلى اليوم عن مشاكل المدينة الاجتماعية كما عن النادي ومشاهيره وانتصاراته وانجازاته.
وفي أوروبا الشمالية، كان لكرة القدم الدور الحاسم في النصف الأول من هذا القرن في تشكيل اللحمة الثقافية والرمزية للطبقة العمالية ونقاباتها وأحزابها.
ومن ينكر في بلادنا اليوم وجود نوع من الاصطفاف الطبقي والانقسام الطوائفي والمناطقي يعيد تجديد ذكريات الميليشيات على مدرجات الملاعب. كيف نفسّر ظاهرة النجمة- الأنصار وظاهرة انتعاش النوادي والفرق المحلية والطائفية؟ أهو انتفاض على تسوية غير كاملة أرستها صيغة الطائف والدستور؟ أهو ممانعة مناطقية وحرد لعدم عدالة التوزيع وعدم وجود إنماء متوزان؟ أهو تنفيس عن حقد طبقي أو عن هامشية اجتماعية لدى فئات واسعة من الشباب تعمل الماكينة البورجوازية الحديثة على نفيها واستبعادها من وسط بيروت ومن ذاكرة وتاريخ المدينة ؟ ألا يتشكّل عصب جمهور النجمة من شباب حي اللجا وخندق الغميق وزقاق البلاط ووادي أبو جميل ومناطق التهجير في الأسواق والنورماندي والزيتونة؟ ألا يتشكّل عصب جمهور الأنصار من شباب طريق الجديدة والملعب البلدي والظريف ورأس بيروت؟ وماذا عن جمهور الصفاء والأهلي- عالية الدرزي ؟ وجمهور البرج وشباب الساحل بالنكهة المناطقية الخاصة بالضاحية الأصلية؟ وجمهور الهومنمن والهومنتمن بانقسامات الهنشاك والطاشناق التاريخية؟ وجمهور الراسينغ والحكمة الموارنة ؟ وجمهور التضامن في صور، وجمهور العهد الشيعي الحزبي لاحقاً؟ إن مسألة تحليل مكونات جمهور فريق ما، أعقد وأصعب من أن تقبل الاختزال أو الاجتزاء أو التفسير الأحادى الجانب. فهناك أوجهاً ووظائفاً تكشف سيرورات ذات معان متعددة ومتناقضة ومتحركة. فالجمهور جمهرة، أي جمَع وتجمعّ، صفته الأولى أنه مجهول، لا هوية واضحة له ولا شخصية محددة يمكن القياس عليها. والجمهور حماس وفرح؛ الفرح بأن نكون معاً، جمعاً، حشداً، انتماء، لهواً. الفرح على مدرجات الملاعب أشبه بفرح العيد، أي فرح الطفولة، وهو استعادة لها أيضاً وعيش لحظات من العمر على ضفافها. يوم اللعب هو يوم عيد، ولكنه أيضاً يوم حرب. فالجمهرة هي أيضاً إحساس بالجماعية، بقوة الجماعة، وبالتعبئة الجماعية ضد الخصم. هي عسكرة وخندقة. والملعب ومدرجاته أشبه برقعة شطرنج أو ساحة حرب. وإذا كان مظهر العيد يعيدنا إلى براءة الطفولة فإن مشهد المعركة ينقلنا إلى عبوس الرجولة.
والجمهور ليس غبياً؛ ليس كماّ من الأطفال الفرحين، وليس حشداً من الرجال المتعصبين المعبئين. هناك آليات أكثر تعقيداً. الجمهور هو فوق ذلك كله أيضاً استراتيجي ماهر، وقائد معارك وحروب من الدرجة الأولى. قد يكون هذا الجمهور جمهوراً غير مثقف، ولكنه جمهور حكيم يعرف ماذا يريد وماذا يعمل. أي أنه ليس حشداً من مجانين كرة القدم، بل هو يمتلك حساً نقدياً، يأخذ مسافة واعية عن العالم المحيط به، عن الملعب وحكامه وعن الكرة والمتنازعين عليها. فحماس الجمهور لا يأخذه إلى حد الانحباس في الأوهام بل هو يعرف بالضبط نقاط القوة والضعف ويقوّم الحركات الخاطئة وينتقد. ليس في الجمهور حالة إجماع وهمي، وإنما إجماع واع تماماً مثل الحرب أو المعركة العسكرية. نحن نعرف حدود المعركة وآفاقها وندرك أننا قد نخسرها ولكننا نخوضها. العسكرة والخندقة هنا هي عسكرة وخندقة انتماء طوعي وإجماع واع ؛ وهي قاعدة ما يعرف بالروح الرياضية. ولكن هذه الروح الرياضية قد تنقلب عنفاً وغوغائية على النمط الشائع في الملاعب البريطانية وجمهورها. فالملعب هو أحد الأماكن النادرة التي يبرز فيها المجتمع ويصعد على المنصّة كاشفاً ذاته الموحّدة والمنقسمة في آن. في المسرح صورة مجتزأة وتمثيل عن الذات الفردية المعبّرة عن ذات جماعية. في الملعب ذات جماعية بارزة، موحّدة، منقسمة، منتشية بالنصر أو غارقة في الهزيمة.
في الملعب شعور جماعي بالتضامن فرحاً وألماً، نصراً وانكساراً. وهذا الشعور الجماعي لا يذيب الفروقات بين الناس. فليس هناك من لوحة واحدة للانقسام... هناك انقسام النوادي والفرق ولكنه يخفي انقسامات أخرى. بين جمهور من الكادحين وجمهور من الأغنياء والأغنياء الجدد، بين جمهور من المهمشّين وجمهور من المستقرّين، بين إحساس بالظلم وانسداد الافق، وشعور بالنصر وبالمستقبل المشرق. وحتى ضمن نفس الجمهور، نرى الانقسام بين مدرجات الفئة الأولى والثانية والثالثة. والجمهور الغاضب العنيف في مكان، نراه رياضياً ودوداً وحدوياً في مكان. والجمهور الموحد أحياناً نراه يصطدم بأنصار فريقه ذاته حين يحمّل المدراء والمدربين والأغنياء تبعة الهزيمة ويتحدث عن الفساد والرشوة وقلة الحماس لدى هؤلاء. والأمثلة في هذا المضمار كثيرة في لبنان أم في فرنسا وإيطاليا وغيرها. إذن ليست صحيحة تلك الوصفات الجاهزة في وصف الرياضة وكرة القدم؛ وليست صحيحة تلك الإسقاطات التي اعتدنا عليها. وما يضاعف من تعقيد وصعوبة التحليل والتفسير أن الرياضة لم تعد ظاهرة شعبية مقتصرة على الملاعب. فقد دخلت عالم المال والإعلام من أوسع أبوابه. وساهم النقل المباشر عبر الأقمار الصناعية لمباريات كرة القدم (وغيرها) في إدخال عناصر جديدة لم تكن في الحسبان، وهي عناصر تساعد على التعميم والاختزال.
إلى ماذا أخلص من هذا الكلام؟ لا أدري! لعلي حاولت إرضاء ابني بالكتابة عن الرياضة وكرة القدم؟ لعلي حاولت إرضاء نفسي في المراجعة النقدية لأفكار سابقة ؟ لعلي حاولت لفت النظر إلى ظاهرة تستحق الدراسة، من جوانب متعددة ومن فروع معرفية مختلفة ؟ لعلّ كل ذلك كان مضمراً في طيّات الحديث... فأرجو قبوله بروح رياضية.
ما بعد 1995
شهدت كرة القدم بعد العام 1995 (تاريخ نشر المقال الأصلي) تحولات جذرية نقلتها من "ظاهرة شعبية دخلت عالم المال والإعلام" إلى "صناعة عولمية عملاقة" تتحكم بها الجيوسياسة، والشركات عابرة القارات، وصناديق الاستثمار السيادية. لقد انتقل وضع كرة القدم ما بعد 1995 من الحديث عن كونها أفيون الشعوب إلى استثمار الدول والسيادة فيها. وثبت أن مخاوفي القديمة من دخول المال والإعلام تضاعفت بآلاف المرات، وأن الصراع لم يعد بين "رئيس النادي البورجوازي والعامل الكادح"، بل أصبح صراعاً بين عولمة متوحشة تريد تحويل المشجع إلى "مستهلك رقمي"، ومقاومة جماهيرية محليّة تحاول الحفاظ على هويّة اللعبة الشعبية.
وإذا كان المقال الأصلي قد انتهى بالدعوة إلى دراسة الظاهرة الرياضية من زوايا متعددة ومن فروع معرفية مختلفة، فإن ما حدث منذ عام 1995 وحتى اليوم لا يؤكد سوى صحة تلك الدعوة. فكلما اتسعت كرة القدم وتداخلت مع الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والسياسة الدولية، ازداد تعقيدها بوصفها مرآة للمجتمعات الحديثة، تكشف انقساماتها كما تكشف أحلامها، وتُظهر تناقضاتها كما تُظهر حاجتها الدائمة إلى لحظات الفرح والانتماء والمعنى.
وبالتالي فإن ما استجد يتعلق تحديداً بالتمويل، والارتباطات السياسية والدولية، وبتحولات الجمهور نفسه.
أولاً: الثورة التمويلية وبداية عصر "الخصخصة والشركات"
تأثير قانون بوسمان (1995): في نفس العام الذي كُتب فيه المقال، صدر حكم "بوسمان" الشهير الذي أحدث ثورة في سوق الانتقالات؛ حيث سمح للاعبين بالانتقال مجاناً بعد انتهاء عقودهم وألغى قيود عدد اللاعبين الأجانب من الاتحاد الأوروبي. هذا القرار عولمَ اللعبة وحوّل الأندية إلى شركات تجارية تبحث عن المواهب حول العالم كسلع استثمارية.
البث التلفزيوني والشركات الرقمية: تضاعفت حقوق البث التلفزيوني (مثل الدوري الإنجليزي الممتاز "البريميرليغ Premier League") إلى مليارات الدولارات. ولم يعد البث مقتصراً على الأقمار الصناعية، بل دخلت شركات التكنولوجيا والتدفق الرقمي (مثل أمازون، وأبل، ودازن) كلاعبين رئيسيين في شراء حقوق النقل، مما جعل الأندية كيانات مالية ضخمة لا تعتمد على تذاكر المدرجات إلا كجزء ضئيل من دخلها.
العلامات التجارية والرعايات: تحولت قمصان الأندية والملاعب إلى لوحات إعلانية لشركات الطيران العالمية، ومواقع المراهنات القانونية، وشركات العملات المشفرة، مما فصل اقتصاد النادي تماماً عن اقتصاد المدينة المحيطة به (على عكس ما ورد في المقال حول أندية مثل ميتز أو نابولي في الثمانينيات).
ثانياً: شراء الدول للأندية و"الغسيل الرياضي" (Sportswashing)
إذا كان المقال قد تحدث عن عائلات رأسمالية تدير الأندية (مثل أغنيلي وبيجو)، فإن القرن الحادي والعشرين شهد صعود "ملكية الدول وصناديق السيادة":
الاستثمار الحكومي والسيادي: اشترت دول أو جهات مدعومة حكومياً أندية أوروبية كبرى؛ مثل الاستحواذ الإماراتي على نادي مانشستر سيتي الإنجليزي (عبر مجموعة سيتي لكرة القدم)، والاستحواذ القطري على نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، والاستحواذ السعودي على نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي.
القوة الناعمة والجيوسياسة: لم يعد الهدف من شراء الأندية ربحاً مالياً مباشراً، بل تحول إلى أداة "دبلوماسية رياضية" وبناء "قوة ناعمة" للدول على الساحة الدولية، وتحسين الصورة ، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية الحديثة بـ "الغسيل الرياضي". فالفريق الرياضي أصبح يمثل مصالح استراتيجية لدول تبعد عنه آلاف الأميال.
صعود الدوريات الناشئة: لم يعد الاستثمار محصوراً في شراء الأندية الأوروبية، بل تعداه إلى جلب النجوم العالميين (مثل كريستيانو رونالدو ونيمار وميسي وغيرهم) إلى دوريات محلية مثل الدوري السعودي عبر تمويل ضخم من صناديق سيادية، مما أعاد رسم خارطة النفوذ الرياضي العالمي.
ثالثاً: البطولات العالمية والسياسة الدولية
مونديال قطر 2022 وروسيا 2018: تجلت "الكرة والسياسة" بأبهى صورها في تنظيم البطولات الكبرى. فاستضافة روسيا لمونديال 2018 وقبلها أولمبياد سوتشي، واستضافة قطر لمونديال 2022 كأول دولة عربية، أثبتت أن التنظيم هو معركة اعتراف دولي وإثبات جدارة حضارية وسياسية، حيث تحولت هذه البطولات إلى ساحات للصراع القيمي والسياسي بين الشرق والغرب.
توسيع البطولات (سوبر ليغ وكأس العالم للأندية): محاولات الأندية الكبرى في عام 2021 لإنشاء "الدوري الأوروبي الممتاز" (Super League) كانت بمثابة تمرد رأسمالي خالص من الأندية الغنية للسيطرة على المال بعيداً عن الاتحاد الأوروبي (يويفا)، ورغم فشلها المؤقت بسبب غضب الجماهير، إلا أنها كشفت كيف تدار اللعبة بعقليّة "الاحتكار التجاري".
رابعاً: تحولات الجمهور (من المدرج المحلي إلى "المستهلك العالمي")
عولمة الهوية الجماهيرية: لم يعد "عصب" جمهور ريال مدريد أو برشلونة أو ليفربول أو مانشستر سيتي هم أبناء أحياء المدينة أو الضواحي (مثل ابن الحي في "طريق الجديدة" أو "خندق الغميق" أو بلدات زغرتا أو عاليه أو الضاحية الجنوبية أو جونيه والأشرفية، في الحالة اللبنانية). أصبح الجمهور شبكة افتراضية عالمية عابرة للحدود ترتبط بالنادي عبر منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، إنستغرام، إكس).
تغيير طبيعة المدرجات (Gentrifcation of Football): ارتفعت أسعار تذاكر المباريات في أوروبا بشكل جنوني لاستيعاب "السياح الرياضيين" والأثرياء، مما أدى إلى إزاحة الطبقة العاملة التقليدية (التي تحدث عنها المقال الأصلي كقاعدة أساسية للعبة) من المدرجات لصالح فئات أكثر ثراءً، مما أفقد الملاعب جزءاً من صخبها السياسي والاجتماعي التقليدي (نسبياً وليس بالمطلق).
الألتراس والسياسة المستمرة: ولكن، وعلى الرغم من العولمة وكل ما رافقها، لم تختف السياسة من الملاعب ولا غاب الصخب السياسي والاجتماعي. فمجموعات الألتراس، في مصر وتركيا والجزائر والمغرب...وغيرها، أعادت إثبات أن المدرجات ما زالت قادرة على إنتاج أشكال من التعبير والاحتجاج والتنظيم الجماعي يصعب العثور على بديل لها في فضاءات أخرى. وقد برز ذلك بوضوح خلال أحداث العقدين الأخيرين، حين تحولت الملاعب إلى واحد من آخر الفضاءات العامة القادرة على استيعاب أشكال الاحتجاج الجماعي والتعبير عن الغضب الاجتماعي. ظهر ذلك جلياً في دور الألتراس في أحداث "الربيع العربي" (مثل ألتراس الأهلي والزمالك في مصر في ثورة 25 يناير)، وفي الملاعب التركية، والجزائرية، والمغربية، لا بل وحتى الأوروبية، حين تحولت المدرجات إلى الفضاء الوحيد المتبقّي للتعبير عن الرفض السياسي والاقتصادي وعن التصريح بدعم فلسطين وشعبها.
خاتمة
لكل ما سبق، تبدو اليوم تلك التفسيرات القديمة التي كانت ترى الرياضة مجرد أفيون للشعوب، أو مجرد أداة بيد السلطة، تفسيرات قاصرة بقدر ما يبدو التفسير المعاكس قاصراً أيضاً.
كرة القدم ليست مجرد لعبة، وليست مجرد صناعة، وليست مجرد سياسة. إنها في آن واحد فضاء للهوية والذاكرة والاحتجاج والتعبئة والإنتماء والمتعة والاستثمار والسلطة. وهي لهذا السبب بالذات تستعصي على الاختزال في تفسير واحد أو مدرسة فكرية واحدة.