في وقت تسعى فيه المنطقة للبحث عن مخارج حقيقية للأزمات المركبة، أصدرت "دار الفكر" في دمشق كتاباً مرجعياً جديداً بعنوان "مسارات الانتقال: رؤى في العدالة والمصالحة". يمثل هذا العمل محاولة جادة لتقديم مقاربة شاملة لمفهوم العدالة الانتقالية، تتجاوز التنظير المجرد لتلامس تعقيدات الواقع السوري من خلال ثلاثة منظورات متكاملة: الشرعي، والحقوقي، والتوثيقي.
التأصيل الشرعي: العدل كمقصد أسمى
يفتتح الكتاب أبحاثه بورقة رصينة للأستاذ الدكتور أحمد محمد سعيد السعدي، الذي يسعى من خلالها إلى "تبيئة" مفهوم العدالة الانتقالية داخل الفقه الإسلامي.
يطرح السعدي رؤية مقاصدية ترى في العدل القيمة العليا التي تتقدم على ما سواها، معتبراً أن العدالة الانتقالية هي الجسر الضروري للعبور من الفوضى إلى الاستقرار.
ويفصل السعدي في إشكالية "العفو والمصالحة"، موضحاً أن الشريعة تفرق بدقة بين الحق العام الذي يملك ولي الأمر التصرف فيه تحقيقاً للمصلحة الوطنية، وبين الحقوق الشخصية والقصاص التي تظل ملكاً للضحايا وذويهم. هذا التأصيل يضع أساساً أخلاقياً يمنع تحول المصالحة إلى أداة لشرعنة الظلم، مؤكداً أن "الصلح الجائر" لا يبني سلاماً مستداماً.
من النظرية إلى الهيكلية: الركائز الخمس للعدالة
في القسم الثاني، ينقل الدكتور رضوان زيادة النقاش إلى الفضاء الحقوقي الدولي والمؤسساتي، مستعرضاً الدروس المستفادة من تجارب عالمية وعربية. يرى زيادة أن الانتقال السوري يتطلب هيكلية صلبة تقوم على خمسة أعمدة: كشف الحقيقة، الملاحقة القضائية، جبر ضرر الضحايا، تخليد الذكرى، والأهم من ذلك كله "إصلاح المؤسسات".
ويحذر زيادة من أن غياب استقلال القضاء وتغول الأجهزة الأمنية يمثلان العائق الأكبر أمام أي تحول ديمقراطي. وبناءً عليه، يقترح مسارات عملية لترميم الثقة بين المواطن والدولة، مشيراً إلى أن العدالة ليست مجرد عقاب للمسيئين، بل هي عملية إعادة بناء للمجتمع على أسس قانونية تضمن عدم تكرار مآسي الماضي.
التوثيق: حجر الزاوية في بناء الحقيقة
ولا تكتمل الرؤية دون الجانب الميداني الذي يغطيه الأستاذ فضل عبد الغني، حيث يركز على "قوة الدليل" في مسار العدالة. يشدد البحث على أن التوثيق المنهجي للانتهاكات —من قتل واعتقال واختفاء قسري— ليس مجرد سرد للتاريخ، بل هو الركيزة القانونية التي لا يمكن بدونها محاسبة الجناة أو إنصاف الضحايا.
يؤكد عبد الغني أن المحاسبة الشاملة التي لا تستثني أحداً هي الضمانة الوحيدة لمنع الانزلاق نحو الانتقام الفردي. فالتوثيق يحول المظلمة من "رواية شفهية" إلى "حقيقة قانونية" ملزمة، مما يمهد الطريق لمصالحة وطنية تقوم على المصارحة والاعتراف بالخطأ، وليس على النسيان القسري.
خاتمة: نحو عقد اجتماعي جديد
يعد كتاب "مسارات الانتقال: رؤى في العدالة والمصالحة " أكثر من مجرد دراسة أكاديمية؛ إنه دعوة لفتح حوار وطني جاد حول كيفية معالجة جروح الماضي. إن تضافر الرؤى الثلاث (الشرعية، والحقوقية، والتوثيقية) يقدم للمجتمع السوري نموذجاً لعدالة متوازنة: لا تفرط في الحقوق، ولا تغلق أبواب العفو، وتضع المؤسسات فوق الأفراد، ليكون السلام القادم مبنياً على صخرة العدل لا على رمال المصالح السياسية العابرة.