في مدينة إسطنبول، التي طالما مثّلت جسرًا بين الحضارات والثقافات، تتشكل ملامح تجربة دولية جديدة تسعى إلى إعادة تنظيم قطاع النشر الإسلامي وفتح آفاق أوسع للتعاون بين الناشرين حول العالم. فقد شهدت المدينة، خلال الفترة من 25 إلى 27 سبتمبر/أيلول 2026، انعقاد المؤتمر الدولي الأول والجمعية العمومية الأولى للاتحاد الدولي لناشري الكتاب الإسلامي (IUIBP)، بمشاركة واسعة من الناشرين والمؤسسات العاملة في صناعة الكتاب من عشرات الدول.
وتعود البدايات الأولى للمشروع إلى عام 2021، حين اجتمع ناشرون من نحو 30 دولة في إسطنبول، وخلصوا إلى الحاجة إلى إطار مهني دولي يجمع العاملين في مجال نشر الكتاب الإسلامي، ويساعد على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية التي طالما حدّت من حركة الكتاب والحقوق والترجمات. وبعد سنوات من المشاورات والعمل التحضيري وبناء الإطار القانوني والمؤسسي، أُعلن تأسيس الاتحاد رسميًا في تركيا في 28 يناير/كانون الثاني 2026.
ومنذ انطلاقه الرسمي، اتخذ الاتحاد من إسطنبول مقرًا رئيسيًا له، وسعى إلى بناء شبكة عالمية تجمع دور النشر ومديري الحقوق والمترجمين والمتخصصين في صناعة الكتاب. وتشير بيانات الاتحاد إلى أن شبكته تضم أكثر من 200 دار نشر ومتخصص في أكثر من 60 دولة، فيما شهدت الجمعية العمومية الأولى مشاركة ممثلين وناشرين من نحو 72 دولة.
رؤية متكاملة لتطوير الصناعة والتحول الرقمي
لا يقتصر دور الاتحاد على جمع الناشرين تحت مظلة واحدة، بل يطرح رؤية متكاملة لتطوير صناعة الكتاب الإسلامي. وفي مقدمة أهدافه تعزيز التعاون الدولي، وتسهيل تبادل حقوق النشر والترجمة، ورفع المعايير المهنية، وتنظيم اللقاءات والمعارض والفعاليات المتخصصة، فضلاً عن توفير برامج التدريب والتطوير وإعداد قواعد البيانات والدراسات التي تساعد على فهم أسواق الكتاب واتجاهات القراءة والتوزيع.
كما يولي الاتحاد أهمية خاصة للانتقال إلى العصر الرقمي، من خلال العمل على إنشاء منصات مهنية دولية تتيح للناشرين تبادل المعلومات والحقوق وبناء الشراكات، إلى جانب تأسيس مرصد معرفي يرصد تطورات صناعة النشر واتجاهات الأسواق واحتياجات القراء. ويطرح الاتحاد النشر الرقمي والصوتي، والذكاء الاصطناعي، وحماية الملكية الفكرية ومكافحة القرصنة، بوصفها ملفات أساسية في مستقبل صناعة الكتاب.
قيادة دولية للدورة 2026–2029
شهدت الجمعية العمومية الأولى انتخاب الهيئات القيادية ومجلس الإدارة التي ستقود الاتحاد خلال الدورة الجديدة 2026–2029، في تشكيلة تعكس الطابع الدولي للاتحاد وتنوع أسواق النشر المشاركة فيه.
وانتُخب أ.د. محمد بولوت من تركيا رئيسًا للاتحاد، فيما تولت دار المنهل من الأردن منصب نائب الرئيس، وتولت دار Semerkand Verlag من ألمانيا مسؤولية أمانة الصندوق، بينما يتولى مراد أيديمير من تركيا منصب الأمين العام.
وتضم التشكيلة الإدارية ومجلس الإدارة كذلك عددًا من الشخصيات وممثلي دور النشر من دول مختلفة، من بينهم:
- د. محمد أغيراكتشا من وكالة إنتروتيما (تركيا).
- أ.د. عدنان إسماعيلي من دار Logos-A (شمال مقدونيا).
- سلمان فريدي من دار Mizan Pustaka (إندونيسيا).
- مازن علي مستو من دار ابن كثير ( سوريا ).
- راميس إيداشيريكاندي من MMI Publishers (الهند).
- هاريس نظير أحمد من Kube (المملكة المتحدة).
- إسماعيل حقي أكنجي من İnsan Publishing (تركيا).
- طيفور إسن من Nar Publishing (تركيا).
- سعود أشرف عثماني (باكستان).
- فوزيلجون عبد القيوم من دار Hilol Nashr (أوزبكستان).
- دوجان غوكمن من Erkam Publishing (نيجيريا).
- جزمي أكغول من Semerkand Publishing (ألمانيا).
- د. محمد أكرم من IRI IIU Publishing (باكستان).
- فكرت أرسلان من Mavera Publishing (تركيا).
- أ.د. نور ليد أبو قاسم من IIUM Press (ماليزيا).
ويمثل هذا التنوع أحد أبرز عناصر قوة الاتحاد، إذ يجمع تحت مظلته خبرات من آسيا وأوروبا وأفريقيا والعالم العربي، ويمنحه فرصة لبناء جسور عملية بين أسواق نشر تختلف في اللغات والظروف الاقتصادية والثقافية.
مؤتمر إسطنبول وإعلان التعاون
شكل المؤتمر الدولي الأول في إسطنبول محطة بارزة في مسيرة الاتحاد؛ حيث استضافت جامعة إسطنبول صباح الدين زعيم فعاليات المؤتمر، بدعم من رئاسة الشؤون الدينية التركية ووزارة الثقافة والسياحة ووكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا). وشارك في أعماله ناشرون وممثلون عن الجامعات والمكتبات ووكالات حقوق النشر واتحادات الكتاب والمؤسسات الثقافية والمهنية.
وتوزعت أعمال المؤتمر على ورش وجلسات تناولت قضايا متعددة، من حقوق التأليف والترجمة ومعايير الجودة، إلى النشر الأكاديمي وكتب الأطفال والتوزيع والنشر الرقمي والبيانات والتكنولوجيا. كما ناقش المشاركون سبل بناء شبكات توزيع دولية وتعزيز حضور الكتاب الإسلامي في معارض الكتاب العالمية وتحويل التعاون بين الناشرين من لقاءات متفرقة إلى مشروعات مؤسسية مستدامة.
وكان من أبرز مخرجات المؤتمر صدور «إعلان إسطنبول للتعاون بين ناشري الكتاب الإسلامي»، الذي يمثل إطارًا استراتيجيًا لعمل الاتحاد خلال المرحلة المقبلة. وأكد الإعلان استقلال الاتحاد بوصفه مؤسسة مهنية دولية غير ربحية، وشدد على أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية، وتطوير حركة الترجمة، وتعزيز حرية النشر المسؤول والتنوع الثقافي، إلى جانب وضع معايير مهنية أكثر تطورًا للنشر الإسلامي.
كما دعا الإعلان إلى التعامل الواعي مع التحولات التكنولوجية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجالات التحرير والفهرسة والترجمة والتسويق، مع الحفاظ على حقوق المؤلفين والناشرين وأخلاقيات العمل العلمي. وبرز كذلك الاهتمام بكتب الأطفال والناشئة، ودعم الناشرين الشباب والأسواق الناشئة، وتطوير قنوات توزيع الكتاب الورقي والرقمي والصوتي.
تحديات المستقبل وآفاق التوسع
تحمل هذه الخطوة أهمية تتجاوز البعد المهني؛ فالكتاب الإسلامي، بما يحمله من تراث فكري ومعرفي وقيمي، يمثل أحد الجسور التي يمكن من خلالها تقديم صورة متوازنة عن الإسلام وتعزيز الحوار بين الثقافات. ومن هنا، فإن بناء شبكة دولية للناشرين يمكن أن يسهم في إيصال الإنتاج الفكري الإسلامي إلى لغات وأسواق جديدة، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام تبادل المعرفة والخبرات بين مختلف البيئات الثقافية.
ويواجه الاتحاد، في المرحلة المقبلة، تحديات كبيرة تتمثل في تحويل الرؤية إلى مشروعات عملية، وبناء منصات رقمية فاعلة، وتطوير آليات مستدامة لتبادل الحقوق والترجمة، ومواجهة القرصنة، وتعزيز حضور الكتاب الإسلامي في السوق العالمية. وهي مهام تتطلب تعاونًا حقيقيًا بين الناشرين والمؤسسات الثقافية والتعليمية والحكومات والجهات الداعمة للكتاب.
ومن إسطنبول، يبدو أن الاتحاد الدولي لناشري الكتاب الإسلامي يسعى إلى الانتقال بصناعة الكتاب من حالة الجهود المتفرقة إلى فضاء أكثر تنظيمًا وتعاونًا وعالمية. وإذا نجح في تحويل «إعلان إسطنبول» إلى برامج ومشروعات ملموسة خلال السنوات المقبلة، فقد يصبح الاتحاد منصة مؤثرة في إعادة رسم خريطة النشر الإسلامي، وربط الناشرين بالأسواق العالمية، وإعطاء الكتاب الإسلامي حضورًا أوسع في المشهد الثقافي الدولي.