من المفارقات الإيجابية، أن كل النشاطات الثقافية المتعلّقة بموسم الكتاب في بيروت، التقت أخيراً تحت سقف واحد، وفي فضاء واحد. عاد النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين إلى معرض مشترك بعد فراق مرحلي قصير ومتاريس وهمية، يضاف إليهما "بيروت كتب" الفرانكوفوني (كان ينقصهم معرض الحركة الثقافية-انطلياس). كلهم التقوا بعد اقتراح من وزير الثقافة غسان سلامة ورعايته، عدا عن أمور كثيرة جعلتهم يتنازلون عن المكابرة، مثل التكاليف الباهظة وأزمة سوق الكتاب وجيل الريلز والتيك توك وما يسمى "الثقافة السائلة"، عوامل دفعت المهتمين بالثقافة والكتب للتضامن والبحث عن الصمود.
لا شك أن بعض الإداريين، من دون الدخول في التسميات، وبعض جهابذة السياسة من نوع جيمس بوند، شاركوا في صناعة البلبلة حول المعرض في مرحلة سابقة، ولاءات متشنجة، كل فريق يشدّ لناحيته أو مساره أو محوره، ظناً منه أنه سيغير الكون من خلال إقامة أكثر من معرض.
كانت لعنة التمويل أو الرعاية أو الهيمنة جزءاً من تأجيج الخلل وتبادل الاتهامات ودك الأسافين. ربما الإيجابية الآن، والله أعلم، أن العروبيين والفرانكفونيين والليبراليين واليساريين والقوميين والممانعين والأصوليين، باتوا تحت سقف واحد. لا نعرف كيف سيكون الجمهور العام. في مرحلة سابقة، شكل حضور جمهور كبير من لون سياسي واحد، نوعاً من التنافر، والقلق، غزاه الاصطفاف السياسي. فهل ستخلق الدورة المرتقبة من المعرض جمهورها وناسها؟ هل يستطيع المعرض خرق الواقع الذي فرضه عالم الهاتف الذكي والإنترنت والذكاء الاصطناعي وانستغرام ومارك زوكربيرغ؟ والأهم، هل يستطيع المعرض خرق الكانتونات السياسية ثقافياً؟
من باب التمني، نحلم أن يكون الجمهور، على الأقل من حيث الشكل وليس العدد، شبيهاً بجمهور فترة التسعينيات، أو فترة إقامة المعرض في الصالة الزجاجية في الحمرا. يومها كان المعرض واجهة بيروت وأحد صنّاع دورها. يقام المعرض هذا العام، والبلد يعيش مخاضاً وانقساماً واحتلالاً، وشهد تدمير وإبادة مئات المكتبات المنزلية والتجارية والعامة، إضافة إلى المؤسسات الثقافية، بقوة القصف الإسرائيلي، فيما تُنظّم حالياً"حملة المليون الكتاب" من أجل عودة المكتبات إلى الحياة، على ما يقول ناشطون.
في المشهد العام، تطغى المراوحة على كل شيء. لا حرب ولا سِلم. لا سيادة ولا استقلال. السلطة تخوض خارجياً تفاوضاً متعثراً مع اسرائيل، أو تفاوضاً من أجل التفاوض. وداخلياً، تنشد إصلاحاً نائماً، وتتفرج على تضخم نوعي، وتطلق وعوداً فارغة. الحالة الاقتصادية يرثى لها، قد يعجز بعض القراء عن كلفة النقليات إلى معرض الكتاب. في دوامة البلد، حزب الله في حالة مكابرة وسيناريوهات وبيانات وتعابير جوفاء. هذه المشهدية كلها، لها انعكاساتها على المعرض.
في المتخيل والواقع، المعرض "بابل" الهويات، خلطة سحرية وكوكتيل اتجاهات في بلد متصدع ومتفجر، أو خط أبيض يخترق مرحلة رمادية تميل إلى السواد. وقد اعتبرت سلوى السنيورة بعاصيري أن المعرض في ظل الظروف العصيبة التي يعيشها لبنان والمنطقة يمثل رسالة صمود واستمرار.