تخطي إلى المحتوى
الجارية والوزراء السبعة: عن الصمت والكلام في المدينة العربية الجارية والوزراء السبعة: عن الصمت والكلام في المدينة العربية > الجارية والوزراء السبعة: عن الصمت والكلام في المدينة العربية

الجارية والوزراء السبعة: عن الصمت والكلام في المدينة العربية

يعدّ كتاب (سندباد نامة) أو ما يعرف في عناوين أخرى بـ(مخاطبات الوزراء السبعة) واحدا من النصوص التأسيسية والمهمة في دراسة نصوص ألف ليلة وليلة، ومخيال العامة في المدينة العربية ما قبل الحديثة. ففي هذا النص، الذي وجدت النسخة الأولى منه في القرن الثالث الهجري، كما عثر على نسخ جديدة منه في القرن الثالث عشر، نعثر على قصص ومرويات جديدة كان العامة يتداولونها عن السلطان والعامة وجواريه وعبر الزمان. وفي حال تجاوزنا الخلاف حول أصول هذا الكتاب، بين من يربطها بالفارسية أو بالهندية، فإنّ القارئ للنصوص العربية سيلاحظ أنّ ساردي الحكايا فيها، لم يتحدثوا عن أحداث وأبطال من عالم آخر، أو بيئة أخرى، بل تبدو له وكأنها نصوص محلية. ولعل ذلك يعود إلى كون هذه الحكايا بقيت شفوية في المدينة العربية لعقود طويلة، ما سمح لها بالتأقلم مع واقعها وأحداثها.
وكان الباحث العراقي المختص بشؤون الليالي العربية سعيد الغانمي، قد عكف منذ سنوات على تحقيق عدد من النصوص المتعلقة بهذه الليالي، ومن بينها كتاب «سندباد نامه» ليصدر لاحقا عن دار الجمل في بيروت. وهذا ما شكّل إضافة لكل الباحثين في دراسة الليالي العربية من ناحية، وأيضا لكل من يرغب في الدخول، إن صح التعبير، لفهم المدينة العربية القديمة، وحتى المعاصرة، وذلك بما تمتلكه هذه النصوص من قدرة على تكوين خيال لدى قارئها للسفر في الماضي، وأيضا ربطه بالحاضر أحيانا، وربما هذا ما جعل محسن جاسم الموسوي يتعامل مع نصوص الليالي العربية بوصفها نصوصا تحمل قدرة على فهم المدينة العربية، وليست نصوصا خيالية أو مجرد قصص شعبية حسب.
تدور قصص سندباد نامه حول أحد الملوك، الذي ظل لسنوات طويلة محروما من الإنجاب، وفي أحد الأيام سيقترح عليه وزراؤه الدخول على زوجته في يوم معين، وبالفعل ما أن دخل وجامع زوجته حتى حملت. وبعد ولادة الطفل، حاول الملك كما تروي الحكايا تلقين ابنه بعض العلوم، لكن الطفل لم يتفاعل معه، وهنا سيأتي دور حكيم يدعى «سندباد» الذي اقترح على الملك أن يتولى بنفسه تعليم ابنه. وبالفعل استطاع خلال سنوات العبور بالطفل إلى مرحلة الشباب والنضج، من خلال تلقينه علوما عديدة. لكن عندما قرر الشاب (خليفة الملك) العودة لقصر والده، طلب منه سندباد ألا يتحدث لمدة سبعة أيام بعد عودته، وأنه لو فعل ذلك سيصاب بحادث جلل. وبالفعل ما أن عاد الشاب، حتى دخل حالة من الصمت المطبق، الأمر الذي حيّر الملك ووزراءه. وخلال هذه الحيرة اقترحت إحدى الجواري الحسناوات على الملك، أن تصطحب الشاب إلى مخدعها، فمخادع النساء كما تظهر في الحكايا العربية، هي الأماكن التي في العادة يصمت فيها الرجال، بينما تتولى شهرزاد السرد. كما أن المخدع يحمل بأسراره وعوالمه الجنسية، مفاتيح تجعل الشيخ يصيح معلنا عودته إلى مرحلة صباه، فكيف بهذا الشاب ذي الوجه الحسن. وما أن دخل الشاب الصامت مخدع جارية أبيه، حتى أخذت تغويه بكلامها، لكن هذا المشهد الحميمي لن يكون بهدف دفعه للشهوة الجنسية ومخاطرها، بل لتشجيعه على قتل أبيه، وتتويج نفسه ملكا بدلا منه. وهنا سيقرر الشاب الكلام، إذ سينهر الجارية، ويرفض مشروعها جملة وتفصيلا، وحينئذ تبدأ بالصراخ والشكوى إلى الملك، لتعلمه بأن ولده يسعى إلى قتله. ولأن الشاب كان قد تعهد لسندباد بعدم الكلام مهما كانت الظروف، سيقرر الصمت، ما سيدفع بوزراء والده السبعة التدخل للدفاع عن الابن في مقابل اتهامات جاريته ومطالبته بقتله.

صراع الجارية والوزراء

مع هذا المدخل، تبدأ قصص الكتاب، التي تدور بين الجارية والوزراء السبعة. ففي كل يوم تدخل الجارية لملكها محذّرة إياه من ابنه ومكر الرجال، فيعود أحد الوزراء ليلا محاولا تهدئة الملك الغضوب من خلال رواية قصة أخرى عن مكر النساء. وهكذا تستمر الحكايا في الكتاب حتى سبعة أيام، ليتمكن بعدها الشاب من الكلام والدفاع عن نفسه. والطريف في هذه اليوميات السردية، أنّ الملك كما حال شهريار سيبقى مستمعا لحكايا شهرزاد (الجارية) وحكايا وزرائه أيضاً. وهنا أيضا تكون وظيفة السرد هي الدفاع عن الحياة ومهاجمتها على السواء، ولذلك سيلاحظ القارئ للكتاب أنه في الغالب أمام بنية حكائية مماثلة لبنية ألف ليلة وليلة، لكن لو توقفنا قليلا عن هذه المقارنة، وفكرنا بالقصة نفسها، فإنها تكشف عن أشياء جديدة. فالصمت الذي يوصى به الشاب، يبدو في هذه القصة وكأنه طقس من طقوس العبور نحو الحكم في المستقبل. فالشاب الذي قضى فترة طفولته مع معلمه سندباد، يتلقى المعرفة والحكمة، لكن في المقابل كان لا بد أثناء عودته لقصر والده الملك، عالم الحكم والدسائس، أن يخضع لامتحان عملي، كونه سيكون الحاكم الجديد بعد والده. وفي هذا الامتحان، لن يسمح له بالتعبير عن أفكاره الجديدة، فالشاب وإن كان يمتلك المعرفة النصية، إلا أنّ الحكم شيء آخر، وأول الدروب للنجاح فيه، هو الصبر مهما كانت الصعاب. وفي هذا الصبر والإنصات ما يسمح للحاكم بالتفكّر في القضية المطروحة عليه، والاستماع أيضا لآراء من يحيط به. وفي حالة القصة، تحاول الجارية التأثير في رؤية الملك، في إشارة لدور النساء في مخادع السلاطين والخلفاء في زمن العباسيين، وفي الأزمان اللاحقة، والأدوار التي أداها بعضهن في جعل السلطان يميل لبعض الآراء والأفكار على حساب آراء أخرى.

وفي المقابل، نرى الرجال أيضا يحاولون في وضح النهار الانتصار لأفكار أخرى، تارة باسم الحذر من مكر النساء (الجارية التي تحاول دفع الملك لقتل ابنه) وأحيانا أخرى من مكر الزمن (الندم). وهذا ما نراه في قصة شاب مع عشرة شيوخ كبار، يدفعونه بشكل غير مباشر إلى فتح أحد الأبواب التي دخلوها وهم شباب (باب اللهو والغواية) قبل أن يعودوا ويكتشفوا أن الزمن قد مرّ، فينتحبون على ذلك. ولعل ذكر أحد الوزراء هذه القصة أمام الملك، يطفئ قليلا من قلقه وحسرته، فعودة ابنه الشاب كان يعني أن زمنه قد قارب على النهاية، لكن هذه هي سنة الحياة والحكم. وبالتالي نرى أنّ الصمت الذي خيم على لسان الشاب، هو صمت مقصود، الهدف منه إتاحة الفرصة له للاستماع وعدم الانجرار لطيش الشباب المعتدّ بنفسه، فالحكم شيء آخر يحتاج إلى التأني والحذر.

النساء وتثوير الواقع

تبقى هناك نقطة في حكايا سندباد نامه، وهي ظهور صورة النساء بوصفها مقابلا للفتنة، وهذا أمر قد يعكس المخيال الذكوري، والذي ظل يحكم واقع المدينة العربية ربما ليومنا هذا. وعادة ما يربط هذا المخيال نفسه بقصص أسطورية (قصة إغواء حواء لآدم). مع ذلك فإنّ وجود النساء (الجواري) ودخولهن في معركة حول الحكم (الدعوة لقتل الابن واستمرار حكم الأب، أو البحث عن بديل آخر) يظهر خلافا للرؤية الأصولية الحداثية التي رسمت صورة عن النساء المسلمات في الماضي بوصفهن بعيدات عن نقاشات الرجال والفضاء العام، تبدو النساء في قصص ألف ليلة وليلة، مشاركات في صنع القرار، ولهن دور مؤثر في الحياة اليومية. وهو دور غالبا ما فسر من باب (مكرهن) وفي هذه القصة يبدو دورهن لا يقتصر على إثارة الفتن والإغواء، بل يتجاوز ذلك نحو فتح النقاش حول الحكم ومساوئه وفساده. وهذا ما نعثر عليه في قصة السيدة التي تمكنت من حبس الملك والوالي والقاضي والنجار في قفص مكون من طبقات، بعد أن تمكنت من إغوائهم، وكيف اضطر الملك والنجار إلى التبول في أقفاصهم. وهذا ما كان يعني تسربه إلى قفص القاضي الذي سجن في الطابق الأول، في إشارة إلى ضرورة تحميله المسؤولية الأكبر، كونه قاضي المدينة وأخلاقها، فإذا فسد، لا بد أن يحاسب بأضعاف مضاعفة. وهذا ما يضمن استقامة القضاء وأحوال المدينة.

كما أن دخول الجارية ودعوة الحاكم لقتل ابنه الصامت، ليس هو المقصود، بل هناك أهداف أخرى كما يخيل لنا. إذ يبدو أنّ الجارية قد اكتشفت بعد اختلائها بالشاب أن صمته، ليس أمرا طبيعيا، أو دليل ضعف، وهذا ما لا يتوافق مع شروط الحاكم، بل هو صمت مؤقت ونابع عن حكمة، وهذا ما قد يشكل مصدر قلق للقصر وعامليه من ناحية، وعلى طريقة إدارة الحكم في المستقبل. ولذلك أمام هذا الصمت وبدلا من الانتظار، أو ربما خوض معركة أكبر في المستقبل، لا بأس من اللجوء لخطة أخرى، عبر دفع المحيطين به للكلام، وإثارة الأسئلة حوله (حاكم المستقبل). فالهدف من قصص الجارية هنا (التي تمثّل عاملي القصر) ليس دفع الملك لقتل ابنه بالضرورة، وإنما التفكير في مستقبل الحكم نفسه. ولعل في ذلك ما يتقاطع مع ما أشار إليه عالم النفس مصطفى صفوان صاحب كتاب «الكلام أو الموت» والذي يرى أنّ الكلام يأتي أحيانا ليقطع الصمت ويفتح الباب أمام تقييم الحكم الذي يفوض الجميع له السلطة. وفي حالة ابن الملك وجارية والده، تتمكن الجارية الممثّلة للقصر وزمن الأب من دفع الآخرين (مستشاري الدولة) لرواية حكايا تدور عن فساد الأسواق (حكاية التاجر البخيل والخبز الملوث) وتدهور أخلاق الوزراء وابنائهم (حكاية ابن الوزير وزوجة صاحب الحمام) وقصص الجواري الخائنات (في إشارة لقصر السلطان). وكل هذه المواضيع وغيرها تصبّ في أساس الحكم ومستقبله. والطريف أنه لم تكن هناك فرصة للاستماع إلى هذا الدرس في الحكم وفساد طبقته إلا عبر الجارية/النساء ومكائدهن وفتنهن. وبالتالي تصبح الجارية هنا بمثابة الوزير الثامن (المخفي) ويغدو الإغواء ومكيدة النساء في المدينة العربية القديمة (أو لنقل فتنة النساء) هو موضوع خلاق (وربما هذا ما يفسر أن كل الأفكار الجديدة توسم عادة من قبل العقل التراثي بالفتنة) ودونه لا يمكن التفكير بالمستقبل وسيناريوهاته. وهذا ما يعني أنّ تحريك النقاش حول الحكم في المدينة العربية التقليدية جاء أحيانا من خلالهن، حتى لو لم يتمكن من فرض سيناريوهات معينة (قتل الشاب واستمرار النمط السائد). لكن مجرد فتح الكلام (شهرزاد) كان كفيلا بفتح الحديث حول الحكم، وفنونه وعلاقته بالأسواق والعامة. وهذا أهم درس كان على الشاب الصامت أيضا أن يستمع له قبل أن يتولى الحكم في فترة لاحقة. واللافت في ثنائية الصمت/الكلام هذه أنها بقيت تحكم واقع المدينة العربية الحديثة، إذ حاولت السلطات العربية إعادة التحكم بالكلام والأصوات وتشكيل هذا العالم من جديد، ولذلك فضّلت الصمت على الكلام فهو الذي يضمن بقاء الحكم وعدم النقاش حوله، بينما كانت ترد كل محاولة للكلام إلى مكر الآخرين (الغرباء/ الحزب أو الإثنية، أو الاستعمار).

المصدر: 
القدس العربي