تخطي إلى المحتوى
الداعية الإسلامية السورية حنان لحام : " مشكلة المسلمين في دعاتهم ومعلميهم!" الداعية الإسلامية السورية حنان لحام : " مشكلة المسلمين في دعاتهم ومعلميهم!" > الداعية الإسلامية السورية حنان لحام : " مشكلة المسلمين في دعاتهم ومعلميهم!"

الداعية الإسلامية السورية حنان لحام : " مشكلة المسلمين في دعاتهم ومعلميهم!"

الداعية حنان لحام من مواليد دمشق، تعمل في ميدان الدعوة الإسلامية منذ سنوات طويلة، ويتركز جل اهتمامها حول طرح تفسير جديد للقرآن الكريم يتوافق والعصر الذي نعيشه.

عملت مدرسة لمادة التفسير والثقافة الإسلامية في جامعة الرياض في المملكة العربية السعودية.

وأصدرت العديد من كتب التفسير منها كتاب تفسير سورة يس، وتفسير سورة البقرة، وتفسير سورة لقمان، وسورة آل عمران، سورة التوبة، وكتاب هدي السيرة النبوية في التغيير الاجتماعي. كما صدر لها عدد من الكتب حول الصحابيات في صدر الإسلام فضلا عن عدد من المجموعات القصصية.

التقينا بها وحاورناها حول دعوتها للتجديد في الفكر الإسلامي ومفهومها عنه، وحول أوضاع الدعوة في صفوف المرأة المسلمة، وتطرق الحديث إلى المنهج الذي تتبعه في تفسير القران الكريم، والجديد الذي قدمته في مجال التفسير، وإلى رأيها في عمل المرأة وخروجها من البيت وعلاقتها بالرجل.

 

*تعملين بدأب على مشروع لتجديد الفكر الإسلامي.. ونود أن نقترب من مفهومكم للتجديد؟

- في الحقيقة أشعر أنني أقف أمام كلمة (التجديد) لأحدد معناها بدقة لأول مرة.. وأرى أن التجديد هو مراعاة ما حصل من أمور جديدة مستحدثة.. وإيجاد موقف ديني أو أخلاقي منها..

فالتجديد هو فهم لإضافات القرن العشرين– كما كان يقول مالك بن نبي رحمه الله- والقدرة على التمازج مع ما فيها من خير والإفادة منه، فكأن التجديد هو فهم الحداثة وترشيدها؛ لأن الحداثة تبدو أحيانا وكأنها جموح لا يهدف إلا إلى التمرد على القديم.

وفي اعتقادي أن المسلمين لن يشعروا بمبرر وجودهم، وبالتالي لن يقدروا على الإقلاع الحضاري إلا بتجديد الفكر الإسلامي.

والتجديد في الفكر الإسلامي معناه: أن تقرأ القرآن وكأنه يتنزل عليك الآن ليعطيك ميزاناً تزن به مستجدات عصرك؛ فترفض الزبد وتقبل ما ينفع الناس، تأمل مثلاً في قوله تعالى "تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"، وفي أمر الله "أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت".. وكيف تطور الطاغوت عبر السنين من صنم الحجر إلى فكرة (حق الفيتو) في مجلس الأمن! إن كل من رفع نفسه فوق القانون ورفض الكلمة السواء يعد طاغوتا.

والتوحيد الآن يقتضي رفض الامتيازات والفيتو وقبول الديمقراطية التي تعترف لكل إنسان بحقه في حرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي.

 

 

*وما هو مفهومكم للديمقراطية؟

- الديمقراطية هي "لا إكراه في الدين"، وهي تطبيق نظام الشورى الذي فرضه الإسلام ولا يهم الأسلوب فإنه يتطور مع العصر، لكن الناس تنظر إليها على أنها حق تطالب به الشعوب، وأنا أرى أنها واجب يؤديه المثقفون في الأمة ويتحملون الأذى والضرر في سبيل ترسيخه في جوانب الحياة.

نحن مسؤولون عن صناعة الديمقراطية في المجتمع بأن نعيشها في حياتنا اليومية فلا نكره أحداً ولا نقبل أن يكرهنا أحد على رأي أو سلوك فهل خضنا هذه المعاناة؟!

 

اجتهاد أم تجديد؟

*هل تتساوى فكرة الاجتهاد مع فكرة التجديد، ومن هم الذين يفترض أن يكونوا رواد الاجتهاد والتجديد؟

- أشعر بالتقارب بين مفهومي الاجتهاد والتجديد.. فالاجتهاد هو بذل الجهد في فهم النصوص التي تقرر مقاصد الشريعة والتي تتضمن أحكاماً فرعية تستند إلى المقاصد الشرعية، ثم دراسة المشاكل الواقعية على ضوء المقاصد للوصول إلى حكم شرعي فيها، فكأن التجديد للفكر، والاجتهاد للأحكام الفرعية والفتاوى.

ولا يصلح لهذا العمل إلا من فهم التراث والمعاصرة ودرس تاريخ الإنسان وكيف تطور عبر آلاف السنين، وكيف تخلى عن أساليبه القديمة كلما اكتشف أساليب أكثر!

 

*هل يختلف الاجتهاد في النص القرآني عنه في الحديث الشريف؟

- ذكر العلماء أنه لا يقدر على الاجتهاد إلا من أتقن أمرين: فهم اللسان العربي وأساليب البيان، وإدراك مقاصد الشريعة، واشترط آخرون شروطاً أخرى كثيرة، وهذا عام في تناول النص القرآني والحديث الشريف، لكننا أمام الحديث النبوي نحتاج إلى مزيد من البحث:

أولا: لا بد من التحقق من صحة سند الحديث، بينما القرآن قطعي الثبوت عند معظم المسلمين.

ثانيا: لا بد من معرفة الظروف التي قيل فيها الحديث والملابسات الزمانية والمكانية التي أحاطت به ، بينما الآيات القرآنية تتصف بالشمول والتعميم حتى قال العلماء (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، ونضرب مثلاً على ذلك بالحديث الذي نهى فيه النبي (ص) عن السلام على أهل الكتاب.

إن إدراك الظرف الذي قيل فيه الحديث ضروري جداً حتى لا يؤخذ الأمر على العموم. فلقد كان المسلمون وقتها في حالة حرب مع اليهود الذين غدروا ونقضوا العهود..

بينما يضع القرآن القاعدة العامة حين يصف عباد الرحمن بأنهم يلقون السلام حتى على الجاهلين "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً". أما إدراك الظروف التاريخية المعاصرة لنزول القرآن ومقدار ما كان عليه الناس من العلم والتطور فهو ضروري في فهم النص القرآني والحديث الشريف أيضاً.

فالقرآن لم يحرم الرق مع أننا نلمس فيه كراهية هذا النظام وتحفظه عليه.. وذلك لأن الظروف التاريخية للناس لم تكن تسمح بمثل هذا الرقي، فاكتفى بإحاطته بالتوجيهات الأخلاقية، ومحمد (ص) حين قال (الأئمة من قريش) قد راعى سيطرة العصبية القبلية على نفوس الناس في ذلك العصر وأن طاعتهم مرهونة بها.

هذه أمور تاريخية من لم يفهمها - وأمثالها- حبس نفسه في حرفية النص وعجز عن استيعاب التطور، وعن تقديم الإسلام كنظام عالمي مستقبلي يحقق للإنسان ما هو  أرقى، ولا حدود للارتقاء الإنساني فالله "يزيد في الخلق ما يشاء"، والإنسان مع تقدم العلوم يزاد في خلقه وفي قدراته، فلقد ابتكر نظاماً جديداً لانتخاب الحكام دون سفك دماء، ووضع قوانين دولية لمعاملة أسرى الحروب.. بل إنه في طريقه إلى إلغاء الحروب!.

وهو يطور أساليب جديدة مساعدة في ترقية الإنسان عن طريق التدخل في الجينات الوراثية، وغير هذا الكثير.. فأين يقف المسلم من كل ذلك إن لم يميز بين مقاصد الشريعة وأحكامها الفرعية المرتبطة بالظروف التاريخية...؟! .

 

جديد القرآن

* بعض الآراء تنادي بالاعتماد على القرآن الكريم فقط كمصدر للتشريع.. ما رأيكم بهذا الطرح؟

- لا أقر هذا الرأي لأن القرآن الكريم قرر الأسس في التفكير والتشريع والأخلاق وأوجز في أمره بإقامة العبادات ولم يتناول التفصيل في أدائها، وجاءت السنة لتبين التطبيقات العملية للعبادات والأحكام الفرعية، ولا بد من الاسترشاد بهدي محمد (ص) لفهم الأحكام القديمة واستخراج الاجتهادات الجديدة.

 

*ينصرف اهتمامك منذ فترة طويلة على تقديم تفسير جديد للقرآن الكريم والسؤال: ما هو هذا الجديد الذي تطمحين إلى تقديمه على مستوى التفسير؟ وهل يدخل هذا ضمن مفهومك للاجتهاد والتجديد؟

- في اعتقادي أنه لا بد في كل عصر من تقديم تفسير جديد للقرآن الكريم يتناسب وروح العصر، وواقعه لأنه مع ازدياد انكشاف آيات الآفاق والأنفس يستطيع الإنسان أن يطور باستمرار فهمه للآيات الكريمة، ونستطيع أن نستنبط هذا من الآية الكريمة: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مداداً).

فالمعين لا ينضب ولا ينتهي. وبالتالي لا بد أن يكتب لكل عصر تفسيره، والشيء الذي أسعى لإضافته هو تقديم رؤية تناسب ما استجد من أمور في عصرنا، وهذه المحاولة مجرد خطوة على الطريق، وأتمنى أن يتوجه الشباب ليقدموا الأفضل والأمثل.

فما نقدمه الآن قد يكون جديداً بعض الشيء، ولكنه سيصبح بالياً وقديماً في  المستقبل، ونحن بحاجة دائمة إلى تطوير رؤيتنا ومفاهيمنا بانسجام وبتلاؤم مع أحكام القرآن الكريم.

 

* هل هناك منهج معين تم إتباعه في هذا التفسير؟

- المنهج الذي اتبعته هو تقسيم الآيات إلى مقاطع لتسهيل الدراسة ولرؤية الموضوع العام الذي هو الوحدة الكاملة للسورة، ونستطيع القول إنني حاولت أن آخذ من المأثور في التفسير، وإن كنت لم أتقيد به، وأعطيت لنفسي الحق أن أقدم رؤية خاصة بعض الشيء، وعلى كل قد أكون قد أخذت من أفكار مالك بن نبي وتأثرت بها كثيراً.

 

التفسير المسرحي!

* كيف يتم اختيارك للسور التي فسرت، ولماذا هذه السور دون غيرها؟

- السور التي تم تفسيرها ونشرت خضعت فعلاً للاختيار، فمنذ بداية عملي في التفسير مع جماعة تحفيظ القرآن، كان هناك برنامج لدراسة القرآن كله، من أوله إلى آخره. وقبل ذلك وضعنا برنامجاً لدراسة السور الثلاث: النساء، والنور، والأحزاب، نظراً لما تتضمنه من أحكام تتعلق بالبيت وبالمرأة.

ويذكر أنه حتى الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أوصى بأن تدرس النساء المسلمات هذه السور في البداية، وكنا نأخذ أحيانا بعض السور المكية كفواصل للتنويع، ولإعطاء فكرة عن التنوع في الخطاب القرآني.

وعندما بدأت بنشر كتب التفسير أخذت ـ كبداية ـ سورة يس لما لها من وقع كبير في العالم الإسلامي؛ فالمسلمون يحبون هذه السورة ويعتقدون أن لها فضلاً معيناً.

أما سورة النساء فقد كلفت في السعودية من قبل الجامعة بتقديمها وهي تعتبر منذ صدورها حتى الآن مرجعاً للطلبة هناك.

أما سورة طه: فقد كان إحساسي النفسي هو الدافع لإخراجها، فهناك ارتباط قوي مع هذه السورة، وربما لهذا السبب تم إخراجها بشكل أكثر وجدانية وعاطفية من غيرها من السور، واتبعت في تفسيرها الشكل المسرحي، وتناولتها من جانب شعوري بالإضافة إلى وجود بعض الأفكار، وحتى هذه الأفكار حاولت أن أعرضها بشكل عاطفي مؤثر يتفاعل معه الإحساس الإنساني، وقد تلقيت أكثر من تعليق يقول: ليتك تتابعين بهذا الشكل لأنه أكثر تأثيراً.

 

الدعوة والمرأة

* كيف تنظرين إلى وضع الدعوة الإسلامية بشكل عام.. وفي صفوف المرأة بشكل خاص؟

- للأسف، لم تتبلور الدعوة الإسلامية حتى الآن بشكلها الصحيح، وخاصة في ذهن القائمين عليها.. حيث يغلب على الدعوة الإسلامية طابع التسرع، والنظرة السطحية للأمور والتسرع.

فأغلبية الدعاة يريدون أن يصلوا بسرعة، وبعضهم يتصور أن الوصول إلى مناطق النفوذ هو الذي يساعد على إخراج مجتمع إسلامي جديد.. ولا يدركون أن المشكلة هي نمط الشخصية المسلمة، فالخلل قائم في أسلوب التفكير الإسلامي، أي في عقل المسلم وليس في أحواله السياسية.

ورحمة الله على مالك بن نبي الذي قال إن الفضائح اليومية التي نعاني منها في عالمنا الإسلامي ناتجة كلها من فضيحة كبرى وهي نظرتنا السطحية للأمور.

 

* يرى البعض أن مشكلة المسلمين في دعاتهم، ما رأيك وماذا تقترحين من طرق ووسائل لإعداد دعاة قادرين على القيام بعملية التغيير في ظل الظروف المحيطة؟

- حقاً أن مشكلة المسلمين في دعاتهم ومعلميهم، فنحن بحاجة إلى النخبة الواعية المخلصة، وإلى العدد الكافي من هذه النخبة لنشر الوعي في الأمة وإذكاء شعلة الحماس في النفوس حتى تنطلق في درب التغيير والبناء، وإعداد هذه النخبة يحتاج إلى برامج دراسية مكثفة ومستمرة وإلى تدريبات عملية على القيام بأعمال اجتماعية تطوعية للأخذ بأيدي الناس ومساعدتهم في حل مشاكلهم، يجب أن تدرس هذه النخبة التراث لتعرف أصولها، وتدرس الواقع والمعاصرة وما جد من علوم في أساليب التأثير والتغيير للفرد والمجتمع.

ولعل من المجدي أن نبدأ من الأطفال فنؤسس رياض أطفال توفر الأمن والحب لهم وتعلمهم كيف يفكرون وكيف يكتشفون الحقائق، وتعودهم على السلوك والأخلاق الإسلامية.

 

* كيف ترين وضع المرأة المسلمة ودورها في عملية النهوض هذه؟

- إن دور المرأة مهم جداً في مسألة التربية، ومن المؤسف أن هذا الدور مهمل تماماً، فلا هي تدرك خطورة دورها، ولا الذين من حولها يحاولون أن يشعروها بخطورة هذا الدور؛ فهي تستلم صناعة الأجيال وهي صفر اليدين من أي خبرة عملية.

وكنت أكرر دائماً: أيها الأخوة، لو أراد أحدكم أن يبني بيتاً، هل يسلمه إلى جاهل ليضع له المخططات، أم أنه يسلمه إلى مهندس مختص ليرسم له المخطط ويشرف على التنفيذ؟ حتماً الإنسان الواعي سوف يسلمه إلى المهندس، فكيف نسلم هندسة الأجيال، إلى المرأة وهي صفر اليدين لا تملك نظرية حديثة في التربية؟ هذا الجانب مهمل.. وأقول بصراحة إن دور المرأة أخطر من دور الرجل هنا؛ لأنها هي التي تباشر عملية التربية وبناء الإنسان، والإنسان هو الذي يصنع الحضارة وهذا لا ينفي دور الأب، ولكن للأم الدور الأكبر خاصة أننا نلاحظ تنصل الأب من مسؤولياته بسبب عمله خارج البيت لفترات طويلة، أو لغير ذلك، وهذا عيب من الرجل، فمن المفروض أن يشارك في عملية التربية، ولكن مهما شارك فسيبقى دور الأم هو الدور الأكبر. وقد راعى الإسلام هذا الجانب وفرغ المرأة للقيام بهذا الدور، وكلف الرجل بالإنفاق عليها حتى تقوم بدورها في التربية.

وقد تشعر بعض النساء بالمهانة في هذا، وتتساءل لماذا حرمت من العمل أو من حضور الجماعات أو من بعض الأشياء التي يشترك فيها الرجل؟ في حين أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعطيها كل الإمكانيات، ويهيئ لها كل الفرص لتقوم بالعملية التربوية.

بينما نجد سبحانه طالب بحضورها في مجالات أخرى مثلاً، طلب العلم فريضة على كل مؤمن ومؤمنة، أيضا حضور صلاة العيدين أي في المجالات التي تساعدها على موضوع التربية، ولكن المجتمع الإسلامي للأسف، حول هذا إلى شيء سخيف وهزيل جداً؛ فأصبحت مكلفة بخدمة البيت أكثر مما هي متفرغة لتربية الأجيال.

 

عمل المرأة وحريتها

*يفهم من كلامك أنك مع جلوس المرأة في المنزل وعدم خروجها للعمل، وإذا كان ذلك كذلك فكيف ننظر إلى المرأة التي تعلمت وأصبحت طبيبة ومهندسة ومدرسة... الخ ونطلب منها أن تجلس في البيت لتربي الأطفال وكثيرات منهن يخرجن للعمل بسبب ضغط الواقع الاقتصادي؟

- (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) إن العمل هو الذي يبني الحضارة وهو ميدان الاختبار للإنسان، وكل من يتصور أن الإسلام منع المرأة من العمل فهو مخطئ، ولكنني قلت إذا كان عمل الرجل يتوجه إلى صناعة الأشياء، فإن ميدان عمل المرأة الأساسي هو صناعة الإنسان، وهو أغلى شيء في الحضارة، فإذا احتاج المجتمع إلى عمل المرأة في الميدان الاجتماعي والاقتصادي أو احتاجت المرأة إلى العمل لظروف اقتصادية، فيجب ألا يكون هذا على حساب تربية الجيل، فلا يؤدي إلى التفريط والضياع بحق الأولاد.

فإذا استطعنا أن نضمن بقاء الأولاد في رعاية نظيفة وأمينة وتتوفر فيها الخبرة التربوية من مؤسسات تنشئها الدولة لرعاية الأطفال أو وجود الجدات أو غيرهن من القريبات القادرات على الرعاية الجيدة، فلا مانع من أن تعمل المرأة، بل قد يصبح عملها ضرورياً وواجباً اجتماعياً لا بد من أدائه؛ فنحن بحاجة ماسة إلى المعلمة والطبيبة والداعية وغير ذلك، ولكن أنا لا أقبل ولا أقر أبدا أن تترك هؤلاء الأطفال الذين هم بأمس الحاجة إلى أمهم، وتذهب لتحصيل المال وتكلف خادمة جاهلة لا تفهم شيئاً برعاية هؤلاء الأطفال، فنحن بهذا الشكل نكون قد أعطينا قيمة للأشياء أكثر مما نعطي للإنسان.

وأذكر هنا ملاحظة طريفة حول المرأة في كتاب "البيروسترويكا" لغورباتشوف، يقول: "نعترف بما قدمت المرأة الروسية من خدمات للثورة الاشتراكية، ولكن يجب أن نتذكر أيضاً ما حصل في المجتمع الروسي من خلل في الأسرة نتيجة أنها تركت البيت وتركت الأجيال، ويجب أن نلاحظ أن نسبة الجريمة ارتفعت؛ لأن الأجيال أصبحت مختلة الشخصية.. إن هناك أمورا ومشاكل اجتماعية بدأنا نحس بها ونعاني منها؛ ولذلك- يضيف غورباتشوف في كتابه- أتمنى ألا يحدث تفريط في هذا الجانب لأننا محتاجون إلى المرأة في هذا المجال، ولا يوجد من يسد مكانها في هذه الثغرة.

*عفواً سيدة حنان، ولكنْ هناك سؤال قد يراود القارئ.. هل عندك أطفال؟ وهل سبق وعملت خارج المنزل؟

- نعم عندي أبناء، وقد صاروا كباراً وتزوجوا، وانطلق كل واحد إلى أسرته يبنيها. وبالنسبة للعمل، لم يسبق لي أن عملت بوظيفة رسمية، لقد اشتغلت في الدعوة فقط، ومع ذلك أقول بصراحة إن أولادنا الآن يتهموننا بأننا حرمناهم من أشياء كثيرة، من الرعاية والمحبة أكثر؛ لأنه حتى الدعوة لها حدود معينة يجب ألا تستهلك الإنسان ولا تحرم أولاده كثيراً منه.

 

*عمل المرأة وخروجها يعني الانفتاح على عالم الرجل شئنا أم أبينا.. كيف تنظرين إلى هذه المسألة؟ وكيف ترين موضوع المغالاة في انغلاق المرأة وبالتالي كيف نحدد مفهوم التوازن في هذه العلاقة؟

  - إن وجود المرأة المؤمنة الملتزمة بلباس التقوى وآداب الإسلام في مجالات العمل الاجتماعي إلى جانب الرجل يساهم في تصحيح نظرة الرجل إلى المرأة؛ فهي لم تعد الجارية التي يمتلكها، وإنما هي خاضعة لأمر ربها وتسعى لخدمة أمتها ورفع حضارتها، فإن استطاعت المؤمنة تمثل هذه المعاني كانت مصدر إشعاع خير يساهم في تصحيح مسار الرجل وإعادته إلى جدية المسؤولية والأمانة التي حملها الإنسان.

 

* وكيف تفهمين مسألة حرية المرأة؟

- حرية المرأة كحرية الرجل تماماً.. كل منهما حر في اختيار دينه والتعبير عن رأيه دون إيذاء الآخرين، وهذا لا يعني الانفلات من القانون، ولا يعني الأنانية والتخريب، وفي الحقيقة إن الحياة الإنسانية الاجتماعية لا تمنح الإنسان سوى حرية واحدة هي حرية الاعتقاد والتفكير، أما الجوانب الأخرى فهي خاضعة للأعراف والقوانين، هذا في المجتمعات الراقية، أما في غيرها فقد يفقد حريته الفكرية أيضاً ويمارس عليه الإكراه

المصدر: 
جريدة " الوطن" العمانية