تمرُّ بنا اليوم الذكرى الحادية عشرة لرحيل قامةٍ علميةٍ شامخة، ومؤسسةٍ فقهيةٍ وموسوعيةٍ ؛ فضيلة العلامة المفسر الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي (رحمه الله تعالى)، الذي فارق دنيانا بعد عمرٍ ناهز ثلاثة وثمانين عاماً عاماً قضاه في محراب العلم وتدبيس الفقه وتفسير كتاب الله.
إن تذكر الشيخ الزحيلي ليس مجرد استحضار لذكرى عالمٍ رحل، بل هو احتفاءٌ بمنهج علمي راسخ يُعد مثالاً حياً للأخلاق الكريمة، والزهد، والعمل الخالص، حيث ترك للأمة تركةً علمية وموسوعاتٍ فقهيةً وتفسيرية لا يستغني عنها طالب علم ولا باحث.
ولعل خير ما يُستشهد به في هذه الذكرى هو شهادات كبار العلماء والرموز الذين عاصروه وخبروا فضله وجلالة قدره:
في رثائه وعلمه وموقفه الصلب
نعاه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي (رحمه الله) واصفاً إياه بـ "رجل الفقه والأصول والتفسير"، ومؤكداً أنه كان متدفق العطاء دون تعصب ولا غلو؛ إذ قال فيه: "تميز الدكتور وهبة الزحيلي بتمكنه من الفقه الإسلامي دون غلو ولا تقصير... وهو غير متعصب لمذهب أو مدرسة؛ بل يحرص على أن يتبع الطريق الوسط". كما أشاد القرضاوي بشجاعته وموقفه في المحافل الدولية ودفاعه عن كلمة الحق ومواجهة المذاهب المنحرفة، ونزاهته وترفعه عن الركض خلف السلطة؛ حيث "عصمه الله من كيدهم ونجه من براثنهم حتى رحل إلى ربه مرضياً عنه".
في زهده وعزته وعلمه الرباني
أما شيخ قراء الشام، الدكتور كريم راجح، فقد عبّر عن اللوعة الأليمة بوفاته وصفاته قائلاً: "عالم قانع زاهد يقول كلمة الحق، ولا يداري، ولا يماري، ولا ينافق.. عزيز النفس، يأبى وهو يحمل شعار الإسلام أن يداجي لحاكم أو غني، وكان يرى أن رتبة العالم الرباني تفوق كل الرتب".
في صراحته وثباته ومسابقته للزمن
وسجل الدكتور عدنان زرزور شهادة حية عن صرامته وثباته على عدم قوله الباطل تحت أي ظرف، وعن انكبابه الشديد على العلم والمضي فيه دون مضيعة للوقت؛ حيث قال: "كان يخيل إلي أنه يسابق الزمن أو الحياة... وكأنه لا وقت لديه للراحة والتأمل، وقد لا أرتاب في أن عنوان حياته كان قول الله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}".
في أدبه وموسوعيته وهدوء طبعه
كما أثنى عليه الشيخ الدكتور عائض القرني بقوله: "عرفته في لقاءات ومؤتمرات فكان عالماً محققاً وقوراً يحب الخير للمسلمين ولا يؤذي أحداً"؛
وشهد له الدكتور سلمان العودة بقوله: "عرفته كاتباً، ثم جالسته وشاركته في برامج عدة، كان موسوعياً هادئ الطبع غيوراً على أمته".
إننا في هذه الذكرى العطرة لرحيل الدكتور وهبة الزحيلي، لا نملك إلا أن ندعو الله عز وجل أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل علمه ومؤلفاته ونتاجه الفقهي رفعةً له في درجات الجنان، وأن يخلف الأمة في فقده خيراً.
رحم الله العلامة وهبة الزحيلي، واسكنه فسيح جناته.