تخطي إلى المحتوى
الرواية متوّجة على رأس قراءات المثقفين اللبنانيين عام 2023 الرواية متوّجة على رأس قراءات المثقفين اللبنانيين عام 2023 > الرواية متوّجة على رأس قراءات المثقفين اللبنانيين عام 2023

الرواية متوّجة على رأس قراءات المثقفين اللبنانيين عام 2023

لا تزال الرواية تحتلّ مكان الصدارة لدى المثقفين اللبنانيين وقراءاتهم، لكن الظروف الصعبة أعادت البعض إلى التاريخ ومراجعة الأحداث، وكذلك المؤلفات الفكرية، والسير الذاتية، لكن تبقى الرواية مُتوَّجة، سواء المكتوبة باللغة العربية أم المترجمة من لغات أخرى. وهنا حصاد لأمتع الكتب لحصاد عام 2023.

حسن داود (روائي): روايات مترجمة من كل اللغات

اخترت عشرة كتب قرأتها، وهي في معظمها صادرة هذا العام. كتاب توماس مان «تونيو كروغر»، وهو مزيج من رواية وسيرة لحياة الكاتب، أو سيرتين اثنتين تفصل بينهما ثلاث عشرة سنة من الزمن. الكتاب الثاني هو رواية كورية لهان كانغ عنوانها «النباتية»، وهي عن السقوط في الجنون الكامل لامرأة. الرواية قاسية وعنيفة الوصف، لكنها عميقة ومبدعة.

«ماكيت القاهرة» لطارق إمام، تحكي عن شبان تقدموا للاشتراك في صنع ماكيت للقاهرة؛ لتحطيمها بعد ذلك.

 

رواية للكولومبية بيلار كينتانا عنوانها «الكلبة»، تحكي عن قرية صغيرة وباردة، قليلة السكان، وعن امرأة تُربّي كلبة، في تعلق مأسوي بينهما «الشبيه» لجوزيه ستراماغو، تحكي عن تشابه رجلين وعلاقة مُرعبة بينهما أدت إلى قسوة وعنف قاتلين.

«قطار الشرق السريع - مذكرات رحلة» للأميركي جون دوس باسوس. الرحلة جَرَت في أول القرن العشرين، وقد تنقّل باسوس خلالها بين بلدان عدة، بينها أرمينيا وتركيا ومصر وإيران والعراق وسوريا.

«نهاية الصحراء» لسعيد لخطيبي، وهي رواية كثيرة الرواة متداخلة الشخصيات، تدور في بلدة جزائرية حول حياة وموت مغنية. «منازل الأمس» رواية سومر شحادة عن الزواج والانفصال وضيق العيش.

«كوزموس» رواية البولندي فيتولد غومبروفيتش عن شابّين يهجران مكان عيشهما ليعيشا حياة يشاركان في صنعها. تُذكِّر هذه الرواية بـ«الحارس في حقل الشوفان».

«ذات شتاء في سوكشو» كتبتها إيليزاشوا دوباسان، عن بلدة حدودية بين الكوريتين متروكة منهما معاً.

فارس يواكيم (أديب وناقد وإعلامي لبناني): شعر ورواية وأمثال شعبية

من الكاتبات اللاتي أُعجبت دائماً بموهبة السرد لديهن: علوية صبح، صاحبة «مريم الحكايا»، فأقبلت على قراءة آخِر رواياتها: «افرح يا قلبي». العنوان المستوحى من أغنية لأم كلثوم يعبّر عن العكس، فمصائر شخصيات الرواية لا تأخذنا إلى الفرح؛ والبلدة التي تنحدر منها تُدعى «دار العز». فرحٌ تَكدَّر، وعِزٌّ غَبَر. الماضي ذكريات وحنين، والحاضر تعبٌ وهموم وجراح نفسية. الأب دركي تقليدي، ذكوري بامتياز، والأم المستكينة الراضية بأمرها الواقع. والأبناء الستة، منتخبون ليصوّروا ملامح متنوّعة من المجتمع اللبناني بأطيافه المختلفة: المحافظ الروتيني، اليساري، المتطرّف الديني، المِثلي الجنس، الموسيقيّ، المصوّر، اللامبالي. هم إخوة بالمولد، وخصوم بالطبع، وبما تغذّوا من محيطهم. صورة مصغّرة عن المجتمع اللبناني المعاصر.

 

وباللغة الإنجليزية قرأت كتاباً بعنوان «أمثال أمي» للباحثة هناء الصمدي نعمان. موسوعة الأمثال اللبنانية مدوَّنة في 600 صفحة، مبوَّبة وفقاً للموضوعات، مترجمة إلى الإنجليزية مع شرح حكاية المَثل: منشؤه واستخدماته، ومقارنة مع أمثال مُشابِهة في لغات أوروبية مختلفة، ولغات القارات الأخرى، وفقاً لتوفّرها. استمتعتُ بتذكّر أمثال أعرفها، واكتشفت ما لم أكن أعرفه. رغم معرفتي أصول هذه الأمثال، فقد أعجبتني الترجمة الدقيقة والمقارنات.

وكتاب قرأته يضم قصائد لشعراء عرب وألمان، بعنوان «في ظلال البندورة لا يسقط المطر»، ترجمها فؤاد آل عواد في الاتجاهين من العربية إلى الألمانية، وبالعكس، ونَظَم بعضها. ترجمة جميلة ودقيقة، سهّل مهمتها انتماء القصائد إلى لغة الحداثة الغنيّة بالصور، القابلة للترجمة والعبور إلى ثقافة الآخر.

أما كتاب «رؤيا الدمشقي» لبطرس المعرّي، الرسام والكاتب، فهو مزدوج وسائل التعبير، به حكايات مروية، ولوحات ملوَّنة. الكاتب روائي في لوحاته، ورسّام في حكاياته، لا تدري هل الحكاية استوطنت اللوحة، أم أن الألوان المشغولة اقتحمت الحكاية، هي قصص شخصيات دمشقية لم ينسها الفنان السوري الذي درس وأقام في باريس ثم استقرّ به المقام في هامبورغ، فأعاد تشكيلها، هي بطاقة دعوة، بالكلمة واللون، لزيارة دمشق عبر شخصيات من نسيجها، يخيّل إليك أنك تعرف مثيلاً لها، لكنك تكتشف ملامح جديدة لديها. وكتاب عاودت قراءته: «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، حوارت أجراها وحرَّرها رجاء النقاش، ذكريات استدرجه النقاش إلى روايتها، وهي تمتد من الطفولة إلى أرذل العمر، وموهبة الروائي «النوبليّ» في السرد تجعل القارئ يتابع مرويات الذكريات الشخصية، كأنها رواية ممتعة.

لينا هويّان الحسن (روائية): هل قرأتم التاريخ؟

هل قرأتم التاريخ؟! للتوّ انتهيتُ من قراءة الأجزاء الثلاثة للمؤلف المفكر والمؤرخ جواد علي «تاريخ العرب قبل الإسلام»! لا أعرف بالضبط إذا ما كنتُ قد عدت فعلاً إلى أرض الواقع!

زنوبيا، وامرؤ القيس!

أُصارحكم، لم أعد أنا نفسي التي بدأت بقراءة هذا التاريخ: المدوّخ، الغني، المجنون، العاصف، المغرور، الحزين، المطعون بكل أشكال الخيانات، ولعل أقسى خيانة هي نسيانه!

كيف لنا أن لا نعرفهم بهذه الدّقة، أولئك الرائعين، الفاتنين، الصاخبين؟! صرفت معظم حياتي بين الكتب، والحمد لله على نعمة الدهشة. ما دام هنالك ما يدهشنا، إذن فنحن بخير.

بدأتُ رحلتي مع ممالك اليمن: قتبان وذي ريدان وسبأ وحمير وحضرموت، ويا ألله على تلك الفتنة التي سبقت التاريخ.

هل تعتبرون أنّه من الغرابة أن أقرأ تاريخاً حافلاً بالملوك والأمراء والممالك، وأكثر ما يدهشني: زنوبيا وامرؤ القيس!

لأوّل مرّة أقرأ هذه السيرة المفصلة لزنوبيا! زنوبيا، الرأس العربي الطَّموح الذي قرر تصفية روما حرفيّاً. تُصدّقون أنها تواصلت مع فيكتوريا ملكة الغال، وأرادت إبرام اتفاقية على محاربة روما وإنهاء سيطرتها على العالم القديم؟! هتف مجلس الشيوخ باسم إمبراطورهم وطلبوا منه «يا كلوديوس، نجِّنا من زنوبيا».

أما امرؤ القيس فهنا السيرة العجيبة والأصيلة لشاعرٍ بروح ملكية وعربية لم يعرف التاريخ مثلها. والدليل أن مئات من أسماء الملوك الذين مرّ ذكرهم في هذا الكتاب الذي غطى حقبة زمنية رهيبة الثراء، وبرز اسم امرؤ القيس وظلت سيرته وشعره وصِيته أحياء رغم أنف الزمن!

أستيقظ من غفوة التاريخ المذهلة وأقرأ نشرات الأخبار التي لا تشير إلّا لشيء واحد: الهزيمة.

هند درويش (مديرة دار نشر «شرق الكتاب»، ورئيسة تحرير ملحق «لوريان ليترار»): كتب فرنسية وأخرى مهنية

تتنوع قراءاتي في الموضوعات واللغات والمصادر، منها ما هو مهنيّ بحكم عملي في مجال النشر والأدب، ومنها ما هو للمتعة. أعجبني للكاتب برسي كامب «الأخوات الخمس»، الصادر عن «لو سوي» بالفرنسية. ويتمتع الكاتب، في هذه الرواية كما في رواياته السابقة، بذكاء حادّ وثقافة واسعة تشمل ميادين عدة. في قراءة أحوال يجمع في هذه الرواية إلى التشويق، البعد الفلسفي، إذ يفضح سيطرة التكنولوجيا الحديثة على مفاصل حياتنا، ويحثّنا على التفكير في خطورة ارتهاننا لها. تقرأ الرواية بمتعة نادرة خاصة لجهة حِرفة الكاتب باستخدام اللغة الفرنسية بأسلوب أنيق وسلس.

إعجاب ودهشة كبيران بالفيلسوف الكاتب إدغار مورين الذي مع إتمامه، هذا العام، المائة وسنتين من العمر، أصدر كتابين مهمين: «من حرب إلى حرب»، الذي يغوص فيه في تحليل الحروب في أوروبا من عام 1940 حتى حرب أوكرانيا مؤخراً. وكتاب «لحظة أخرى أيضاً»، الذي يلخص تجارب وحكمة قرن من حياة الكاتب، من خلال مجموعة نصوص سياسية واجتماعية وشخصية وفلسفية وأدبية منتقاة بذكاء ودراية، مفعمة بالحياة على شكل وصية تُعلّمنا «فن العيش». ويتميز موران بوضوح التفكير والبصيرة، والتزامه بالإنسان، فهو يعتبر أن الهوية هي في عمقها إنسانية. سأواظب وأسعد بقراءة جديد موران، ما دام فكره وقلمه لا يعرفان التقاعد.

الدكتور يقظان التقي (صحافي واستاذ جامعي): التاريخ وما عصف بالمنطقة

«وطن اسمه فيروز»، عنوان إصدار «أفق»، عن مؤسسة الفكر العربي، ويبرز حدثاً ثقافياً استثنائياً في توقيته، الذي تزامن مع عيد ميلاد فيروز الثامن والثمانين، وبادرة تكريم، وشكر إذ ما انفكت أغانيها تغمر به الملايين، ولا سيما شرائح جديدة من الشباب العربي في مشرقه ومغربه سواء.

  مجموعة كبيرة من المقالات، والأبحاث (37 بحثاً)، في عمل جماعي، تعددي، ينتمي المشاركون في تأليفه إلى مختلف الدول العربية. دراسات، ومقالات تتسم بطابَعها البحثي والأكاديمي ومضامينها الأدبية والفكرية، وشهادات يغلب عليها الطابع الذاتي والخواطر التأملية، وتتجاوز على امتداد صفحاتها «مناهج» التوثيق والتحليل والتقييم. على تعدد مؤلفيها، وتنوع بلدانهم، وجنسياتهم، وموضوعات مقالاتهم وأنماط مقارباتهم، يبرز إجماعهم على الاعتراف بعبقرية الرحابنة، نصوصاً وألحاناً، وبفرادة فيروز، صوتاً وأداء، واعتبارها رمزاً، نجمة عالمية، ورسولة سلام وإنسانية، طبع الزمن اللبناني باسمها منذ خمسينات القرن الماضي، وامتدت شهرتها إلى دنيا العرب والاغتراب. إصدار فخم، أنيق بالشكل والرسوم، وفي طريقة إعداده؛ أي المنهجية البحثية، وطباعته الأنيقة، وبيئته الواسعة السياسية والاجتماعية، والثقافية، والفنية.

بين الواقع والفانتازيا، تروي «الأدميرال لا يحبّ الشاي» لنزار عبد الستار مرحلة تاريخية مجهولة لتنافس استعماري تجاري في القرن التاسع عشر بين شركتين عالميتين؛ الأولى هولندية، والثانية هندية، كان لها دور كبير خلال مائتين وخمسين سنة لصالح المملكة المتحدة في احتكار التجارة بالهند والصين، بناء على تفويض مَلكيّ. يعرض للتاريخ بموزاييك ونظرات إلى الهوامش المتبقية من بقايا السلطنة العثمانية وواليها في البصرة. مرحلة تاريخية مختلفة من الحروب التجارية وترويج الأفيون بخلفيات غير مباشرة، معمارية تاريخية بين اليقين والتخمين.

ومن ضمن العودة إلى الروايات التاريخية عن الصراع العربي الإسرائيلي، كتاب «الأعداء والجيران، العرب واليهود»، إيان بلاك، 2017، ويروي تاريخ الصراع وعواقبه العالمية، كما أوحى بها متخصصو التاريخ الفلسطيني (1917 - 2017)، بالتزامن مع الذكرى المئوية لوعد بلفور. وكتاب «سيرة بنيامين نتنياهو» أنشيل فيفر، 2018، صورة السياسي الغاضب، المرفوض، الحذِر. كل الشخصية بظلالها ومنعطفاتها التي تلقى على إسرائيل الحديثة.

عجبني كتاب حسن الرفاعي «حارس الجمهورية»، وهو جامع لفصول من حياة إدارية وبرلمانية دستورية وقانونية، إلى أوراق من سيرة ذاتية لعلاّمة برلماني، أعدّه أحمد عيّاش وجوزيف باسيل وحسّان الرفاعي، صدر عن منشورات «دار سائر المشرق» في 551 صفحة.

«ميزوبوتامي» كتاب مرجعي عن «دار غاليمار»، مراجعة تشكل تحفة فنية بين اكتشافات التراث والفلسفة والجماليات والمخطوطات القديمة في بلاد ما بين النهرين، للمؤرخ جان بوتيرو، ولا سيما عن الشرق القديم وخرائطه وأيديولوجياته الدينية وعلومه عند الآشوريين والبابليين والسومريين بنكهة كتابات الآلهة القديمة.

وثمة كتاب صادر حديثاً هو «اللحظة القوميّة العربيّة»، «دار النهار» للمؤلف شارل رزق، واحد من رموز الشهابية الأصيلة. الكتاب تناول أهم التحولات التي عصفت بالمنطقة في العقود الأخيرة، والقضية الفلسطينية كانت جزءاً من تلك التحولات والمتغيرات. عمق القضية التي يعالجها هو انهيار الناصرية في ستينات القرن الماضي بالسرعة التي قامت بها في الخمسينات. لحظة متفجرة في التاريخ، الذي أمّل خلاله العرب تحقيق حلم قديم افتقدوه منذ القرن الثامن الميلادي، الذي شهد سقوط دولة الأمويين. الخلاصة أن حدثين تاريخييّن أنهيا اللحظة القومية العربية: النكسة العربية أمام إسرائيل في الخامس من يونيو (حزيران) 1967، والثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979. يتزامن إصدار الكتاب مع اندلاع الحرب على غزة، كإحدى النواحي الأكثر تأثيراً في رسم تحولات الشرق الأوسط.

رشا الأمير (أديبة وناشرة لبنانية): أتنقل بين اللغات

قرأت كارولين كامل وروايتها اللطيفة «فيكتوريا» عن الأقباط في مصر، وكذلك جيل كيبيل ومؤلفه الجديد «النبي في وطنه» الذي هو عبارة عن سيرة ذاتية، يتحدث فيها عن مساره الشخصي، ونقرأ بمعيته عن كثير من المستشرقين الذين عايشناهم، وخلفيات حياته التي لم نكن نعرفها، ومعارضيه الذين وضعوه خارج الحياة الأكاديمية. كيبيل له قلم جميل، وفي كتابته نكهة من الطرافة. كذلك أقرأ كتاب إسكندر رياشي، «رؤساء من لبنان»؛ لأننا في «دار الجديد»، نحضّر لإعادة طباعته، ومعه نعرف تاريخ لبنان والمنطقة، وأحوالها المتشنجة والممزَّقة بين الإنجليز والفرنسيين. ميزة رياشي أنه يجعلنا نعيش هذا التاريخ من خلال يومياته الحياتية المعيشة، لا بصيغته الجافة.

وقرأت، بطبيعة الحال، كتاب سبيل غصوب «بيروت على ضفاف السين»، الذي ترجمته «دار الجديد» من الفرنسية، وهو حول سيرته وسيرة عائلته، والانتقال إلى عالم مختلف. هذه الكتب جميعها تتميز بروح الدعابة السوداء. نحن بحاجة في الزمن الذي نعيش، إلى قراءات مهما كانت جادة، أن تتحلى بالظرف.

وبمناسبة وفاة الشاعرة الحائزة على نوبل؛ لويز غلوك، أعدتُ قراءة بعض أشعارها. وهذه السنة فقدنا عدداً من الأدباء الذين لا بد أن نذكرهم، منهم نوتشيو أوردينه صاحب كتاب «لوجه ما لا يلزم» الذي حصل على جائزة أدبية رفيعة قبل وفاته، لكن العمر لم يمهله لتسلُّمها، كذلك لا بد أن نتذكر الأديب السوري خالد خليفة الذي فارَقَنا، والروائية ليلى بعلبكي.

المصدر: 
الشرق الأوسط