تخطي إلى المحتوى
جوائز الرواية العربية… تأمّلات في المعايير جوائز الرواية العربية… تأمّلات في المعايير > جوائز الرواية العربية… تأمّلات في المعايير

جوائز الرواية العربية… تأمّلات في المعايير

استُحدثتْ منذ بداية الألفية في مجال الرواية – باعتبارها أصبحت ديوان العرب في القرن العشرين واحتلت مكان الشعر- عدة جوائز، والمتتبع لهذه الجوائز يعثر على العشرات منها، سواء أكانت إقليمية أو قُطْرية، من الأفراد ومن المؤسسات الحكومية والهيئات. ولا نستكثر عدد الجوائز الأدبية في عالمنا العربي، فهي ظاهرة عالمية إذ في فرنسا وحدها 2000 جائزة أدبية سنوية. ويمكننا النظر إلى الأمر من ناحية إيجابية فقد ساهمت جوائز الروايات في تحفيز الكتّاب وتحريك الساحة الثقافية، وتنشيط دورة النشر. ما يسهم في خلق صناعة ثقافية تكون رافدا مهما من روافد التنمية المستدامة. ويكفي أن هناك دور نشر عربية تخصّصت فقط في نشر الروايات، وأخرى غيّرت من سياسة النشر عندها لتلتفت أكثر إلى هذا الجنس الأدبي.
غير أن هذه الفورة التي أنتجت عددا هائلا من الروايات، وكانت الجوائزُ محركَها الأساسي، كانت كميّة في أساسها وليست نوعية. فكثير من الروايات كانت مفصّلة على قياس الجائزة، وكأنها كتبت بوصفة واحدة تحوي المقادير نفسها لتنتج لنا الطبخة ذاتها، وليس مستبعدا أن نجد في المكتبات كتابا عنوانه «كيف تربح جائزة أدبية؟». والوسيلة الأنفع لضبط هذا الهيجان الروائي، الذي يستهدف الجوائز كما أطلق عليه الروائي الراحل إلياس فركوح، هو إعادة النظر في المعايير التي تنتظم الجوائز من الشروط إلى التحكيم إلى العدد. وهذه بعض التأملات حول المعايير سجلتها من خلال متابعتي الحثيثة لما ينشر في العالم العربي من روايات لشغفي الشخصي وتخصصي الأكاديمي ومهنتي الإعلامية، ولخبرتي العملية فقد حكّمت في جوائز روائية منها، جائزة راشد للإبداع، والجائزة العالمية للرواية العربية. مع الإشارة إلى أن الجوائز لا تتشابه حتى يُفرض عليها نموذج موحّد بل تتباين تباينا كبيرا في كل تفصيل، لكن نسعى لأن نوجد قواسم مشتركة، تضمن التميز والإبداع اللذين هما مقصد كل جائزة.

مبدئيا ليست خطيئة أن تخضع الجائزة لمعايير المانح، بشرط أن لا يمسّ ذلك بصميم العملية الإبداعية. فلكل مانح (فردا كان أو هيئة أو دولة) اعتباراته وخصوصياته، لذلك الأمر يعود للروائي وهو حر في المشاركة من عدمها، إن لم تتوافق معه شروط الجائزة، وإن كانت الجهات المانحة للجائزة لا تذكر ذلك مباشرة، بل مواربة كأن تضع شرطا باستبعاد كل رواية تتعارض مع المقدسات، أو تثير النعرات الطائفية، أو يُفهم ذلك ضمنا من سياسة المانح وتوجهاته. لكن هذه المعايير المسبقة للمانح ليس مبررا ليكتب الرّوائي رواية عند الطلب، تلبس جسم الجائزة ولا تضع في حسبانها الجانب الإبداعي. مع الانتباه إلى نقطة مهمة ترد عادة في التعريف بالجائزة، أو في نص الإعلان عنها وهي، ضبابية كثير من المصطلحات، فألفاظ مثل: الجودة والإبداع والتميز والجِدّة تبقى مفرغة من معانيها ما لم تُحدّد مفاهيميّا، فحين نقول رواية جيدة ماذا نقصد بذلك؟ وعلى أي الأسس بنينا الحكم؟ لا نطلب دقّة رياضية، لكنْ على الأقل وجود حدود واضحة بين الجيّد والأقل جودة مثلا. ليصبح المَنحُ أكثر إقناعا وأقلّ اعتراضا عليه، مع أنّ الانتقادات جزء من لعبة الجوائز، من الإعلان إلى ما بعد المنح.
ويمكننا تحديد أربعة ضوابط، أو شروط تعمم على كل جوائز الرواية، بل وغيرها هي: الشفافية والالتزام بالمعايير والنزاهة والتحرر من الارتهان. ويمكن لهذه الشروط العامة أن تشكل الإطار الأخلاقي الذي يحتوي الجائزة ويحافظ على مصداقيتها.

ورغم كل الانتقادات والملاحظات تبقى الجوائز الممنوحة للرواية وسيلة جيدة لتحفيز الكتّاب، وظاهرة صحية، رغم الجدل المصاحب لها، ولعل هذا ما يزيد من فعاليتها ويجعلها تجذب اهتمام القراء وتثير فضولهم، وكل هذا مطلوب لرواج القراءة وزيادة المقروئية.

بعد ذلك يأتي التحكيم وهو بيضة قبّان الجائزة وكعب أخيل أيضا، ويختلف اختلافا كبيرا بين جائزة وأخرى، فجائزة نوبل للأدب مثلا تتألف لجنة التحكيم فيها من 18 عضوا مُنتخبا لمدى الحياة، في حين أن لجنة جائزة الغونكور تتألف من عشرة أعضاء يُعَيّنون عن طريق الانتخاب مدى الحياة أيضا، أما جائزة البوكر العالمية فالمحكِّمون فيها خمسة أعضاء لدورة واحدة فقط. وأهم نقطة تعطي مصداقية للجنة والجائزة هي التكتم عن أسماء المُحكّمين، رغم أن كثيرا من الجوائز تعلن عن أسماء لجنة التحكيم منذ البدء (ولا نقصد الجوائز التي لها لجان ثابتة) لأنها ترى أن قيمة المحكِّمين تعطي دفعا للجائزة، وتثبّت مصداقيتها، وهناك جوائز مثل البوكر تعلن عن أسماء لجنة التحكيم في منتصف الطريق أي بعد إعلان القائمة الطويلة. لكنّني أتوافق مع من يرى أنّ الأفضل أن تبقى أسماء اللجنة سريّة إلى يوم إعلان الفائز، تجنيبا لها من كل الضغوطات التي قد تمارس من المشاركين ومن الناشرين، ومن أي جهة كانت، وتوفيرا لجوّ عمل بعيد أي اتهام بالمحاباة. وعلى أعضاء اللجنة أن لا يركنوا إلى أذواقهم الشخصية في التحكيم، بل أن يعلّلوا اختيارهم ويحسنوا الدفاع عنه، ويشرحوا بطريقة مقنعة لماذا فازت هذه الرواية، أما الأحكام الانطباعية والإطلاقات العامة فلا محلّ لها في جائزة تتوخّى البحث عن المتميز والجديد، وحتى عملية التنقيط دون تعليل التي نجدها في بعض الجوائز المهمة لا تكفي. كما أنه من المفضّل تنويع اختصاص الحكام، فالرواية ليست عملا إبداعيا فقط، بل هي منتج ثقافي يدرّ منفعة مادية على الكاتب والناشر في حال الفوز. لذلك الاقتصار على نوعية واحدة من المحكّمين كالنقاد الأدبيين مثلا لا يتوّج رواية متكاملة. أليس الأجدى أن تضم اللجنة روائيا مكرّسا، وناقدا، وناشرا لخبرته في توجه ذائقة القراء، وشخصا من متابعي الكتب والشغوفين بالقراءة ويمكن الاستعانة بالفاعلين في موقع غود ريدرز مثلا. فهذا التنوع يشمل أوسع شريحة مهتمة بالعمل الروائي ليكون الحكم قريبا من الصواب وواقعيّا أيضا.
ولضمان جودة التحكيم لا بد أن تسبق عمل لجنة التحكيم لجان فرز تغربل ما لا يصلح للجائزة فلا يمكن للجنة التحكيم، أن تقرأ عشرات الأعمال والآن أصبحت بالمئات. مهمة لجان الفرز التصفية الأولية كاستبعاد الرواية كثيرة الأخطاء، أو التي تخالف شروط الجائزة. لتصل إلى اللجنة زبدة الروايات فيتسنى لأعضائها القراءة النقدية المتأنية للأعمال، وليس التسرع للالتزام بمواعيد التسليم، بل يمكن للإعلان الجيد عن شروط الجائزة أن يكون بمثابة فرز أولي للمشاركات بوضعه شروطا دقيقة تستبعد آليّا من يخالفها. ومن المعايير المهمة في شروط الجائزة تحديد المقصود من الألفاظ بدقة، فكلمة جائزة موجهة للشباب مثلا غائمة ومطاطة، فما هي السنة التي يقف عندها سن الشباب وتبدأ الكهولة مثلا؟ وأسوأ ما يمكن أن يسيء للجائزة، المحاصصة سواء بين أعضاء اللجنة أنفسهم أو المحاصصة القُطرية التي تحرِم رواية جيدة من فوز مستحق، لأن مواطن الروائي فاز في الدورة السابقة. وهذا الظلم يمكن أن لا يقع في حالة ما إذا تجردت اللجنة واختارت الأجود، دون أي اعتبار لأي عامل خارج النص، ودون إملاءات أو إيحاءات من الجهة المانحة.
ليست هناك معايير موحّدة تضبط القيمة المادية للجوائز، فمثلما هناك جوائز قيمتها المادية كبيرة مثل نوبل، إذ تبلغ حوالي مليون دولار، أو جائزة الشيخ زايد، هناك جوائز مشهورة وذات قيمة معنوية كبيرة لكن قيمتها المادية ضئيلة مثل جائزة نجيب محفوظ، التي لا تتجاوز ألف دولار، أو جائزة الغونكور حيث لا تتقاضى اللجنة أجرا، أما الفائز فيستلم 10 يورو ودعوة إلى مطعم دوران. ولا نغتر بهذا المبلغ الضحل فعائدات مبيع الرواية الفائزة بالغونكور هائلة على الناشر والمؤلف على حدّ سواء وتتجاوز قيمة كبرى الجوائز. لأن المصداقية التي اكتسبتْها لأكثر من قرن جعلتها توجّه قراء الفرنسية إلى الروايات الجيدة ونادرا ما خذلتهم. والمحذور الأكبر في الجوائز ذات القيمة الكبيرة أنها تنتج لنا صنفا من الروايات مفصلا على قياسها، إذ إنّ المعايير المضمونية للمانح تقولب الجوائز وتجعلها تشبه الاستنساخ، في حين أن الكتابة الروائية انقلاب على السائد وبحث دائم على التجريب.
ورغم كل الانتقادات والملاحظات تبقى الجوائز الممنوحة للرواية وسيلة جيدة لتحفيز الكتّاب، وظاهرة صحية، رغم الجدل المصاحب لها، ولعل هذا ما يزيد من فعاليتها ويجعلها تجذب اهتمام القراء وتثير فضولهم، وكل هذا مطلوب لرواج القراءة وزيادة المقروئية. غير أن المعايير الواضحة هي الآلية الوحيدة للحفاظ على مصداقية الجائزة والتجارب العربية الناجحة والمتميزة موجودة. والبناء على الإيجابيات والتخلص مما يحيط بالجوائز عادة من محسوبيات وتدخلات وحسابات لا تتعلق بالإبداع نفسه، كفيلان بجعل الجوائز شريكة فعليا في صناعة الثقافة واستدامتها.

المصدر: 
القدس العربي