تخطي إلى المحتوى
طرابلس اللبنانية عاصمة للثقافة العربية.. تضم عشرات الكنوز المعمارية طرابلس اللبنانية عاصمة للثقافة العربية.. تضم عشرات الكنوز المعمارية > طرابلس اللبنانية عاصمة للثقافة العربية.. تضم عشرات الكنوز المعمارية

طرابلس اللبنانية عاصمة للثقافة العربية.. تضم عشرات الكنوز المعمارية

كان يُفترض أن تعجّ مدينة طرابلس اللبنانية بالفعاليات بعدما اختارتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، "عاصمة للثقافة العربية 2024"، لكن تتويجها الثقافي تأخّر إلى مايو/أيار 2024. كما كان يُفترض أن تُعقَد الاحتفالية منذ أربع سنوات، لكن الأوضاع العامة في العالم وفي لبنان اعتبارا من العام 2019 فرضت التأجيل.

في الوقت نفسه، أعلِن إطلاق تجمّع "فيحاؤنا- حاضنة الثقافة لكل الأزمان"، المنبثق من مجموعة هيئات ثقافية محليّة، تتعاون في تنظيم برنامج ثقافي يغطّي شهر يناير/كانون الثاني الجاري حتى يونيو/حزيران، ويلحظ استقطابا عاليا، الأمر الّذي يستبطن نبضا حيّا للمشهد الثقافي الطرابلسي بمعزل عن الفرص الرسمية. يحدث هذا منذ زمن بعيد، حيث يقوم نبض المدينة الثقافي على جهوده الذاتية، دون "اعتراف" أو دعم مهم من خارج حدودها الجغرافية.

يفتح هذا المشهد أبوابا لطالما بقيت موصدة على تمايز طرابلس الثقافي، الذي تشكّله في حيّز مهم شبكة من العلاقات كوّنت شخصيّة المدينة في مدّ وجزر مستمرّين بين عناصرها: المدينة والدولة والنخبة. الأمر الذي يجعل هذه اللحظة تختبر معنى مزدوجا بالاستحقاق: معنى الحدث، ومعنى أهليّة طرابلس على الرغم من إشكاليّتها المزمنة وربما بفضلها.

لا يمكن أن نفهم سبب اختيار طرابلس عاصمة للثقافة العربية دون العودة سريعا إلى التاريخ. فالتنقّل في طرابلس أقرب إلى الطواف عبر الأزمنة العربية، التي يفصح عنها أكثر من 200 موقع أثري، بحسب إحصاء بلدية طرابلس في عام 2013، مما يجعل المدينة عاصمة عربيّة قبل تخصيصها بالثقافة.

طرابلس في نشأتها مركز للمتروبول الفينيقي، واسمها في ذاته، "تريبوليس"، يعني الجهات الثلاث التي تضم مدن أرواد وصيدا وصور وكانت عاصمتها طرابلس.

ومعلوم أنّ طرابلس في نواتها القديمة، أسسها المماليك على تلك الخطوط الحلزونية الشبيهة بالمتاهات، وأكسبوها ميزة "المدينة المملوكية الثانية بعد القاهرة". حتى أنّ بعض الآثار يعكس نسختين طبق الأصل، مثل مسجد "آرغون شاه" في حي باب الرمل الشعبي، الذي نجده بالاسم نفسه والطراز نفسه في مسجد العاصمة المصرية.

وعلى تلة تعلو النهر بنى الصليبيون "قلعة سانجيل"، التي ألهمت أمين معلوف مسرحيته الغنائية "الحب عن بعد"، عن كونت تولوزي وأميرة طرابلسية تعيش في القلعة، بناها بالفعل ريمون دو سنجيل التولوزي خلال الحروب الصليبية، وتُعدّ أكبر قلاع لبنان. اندثرت آثار الصليبيين تقريبا من طرابلس، ومنها ما بقي في الميناء التي تُعدّ نافذة طرابلس البحرية، وكانت هي طرابلس قبل أن يدحر المماليك الصليبيين ويؤسسوا المدينة الداخلية. ويقال إنّ دهاليز غائرة في الأرض تربط برج "برسباي" (باللهجة المحلية "برج السباع")  في الميناء بقلعة طرابلس.

وقد تكون "المدينة المتوسطية" أوسع التعريفات شهرة لأهميتها الاستراتيجية، لكن تكوين طرابلس التاريخي والسكاني يحتكم إلى "مجتمع النهر"، ويشكّل عموده الفقري نهر "أبو علي" الذي ينبع من مغارة قاديشا في أعلى الجبل قرب غابات الأرز. تتفرع من ضفته الجنوبية المدينة القديمة التي تمتلئ بالأبنية السكنية التراثية، إلى مساجد وكنائس وكتاتيب وزوايا صوفيّة وحمّامات وخانات وأسواق متخصصة، من بينها سوق الصاغة وخان الخياطين وسوق البازركان وسوق العطارين وخان الصابون، أو مثلما تخيلت ناديا تويني، هي "أسواق ضيّقة مجدولة كما تصفيفة الشعر بدبابيس من السُكّر". تتخلل هذه الأسواق نحو ساحة التل في وسط المدينة، مقاهٍ تراثية لا يزال معظمها قائما، ويلتحم وجودها بسيرورة طرابلس، لما كانت توفّره من فضاءات عامة حرّكت أهم أحداثها السياسية.

وتحاذي القلعة "التكية المولوية"، وهي واحدة من الزوايا الصوفية التي صنعت مكانة طرابلس الصوفية العربيّة مثل قرينتها حلب. وهذا ما يستحضر أنّ طرابلس تحتضن أطياف العديد من المدن والعواصم العربية: برج الساعة العثماني في ساحة التل، التي كانت تتبع النمط العربي الذي يقضي بأن غروب الشمس يبدأ عند الساعة 12 ظهرا. ووصفت في وثائق عثمانية بـ"العروس تتجلى في فسحة التل". ومعلوم أن ساعات مشابهة شيدت في مدن عربية وقت "التنظيمات" العثمانية كمنحى نحو الحداثة، وأشهرها في بغداد (ساعة "برج القشلة") وفي حلب (ساعة "باب الفرج") وفي عكا (اسمها "برج الساعة").

وبعدما جعل الأمويون دمشق عاصمتهم، وجدوا في طرابلس توأمها وسمّوها "الفيحاء الصغرى"، تيمنا ببساتين الليمون والبرتقال والنارنج التي تكسو المدينة وتعبق بهويّتها العطريّة. وبقي الوسم الدمشقي مرافقا لطرابلس في "طرابلس الفيحاء" وفي "طرابلس الشام"، لتمييزها عن العاصمة الليبية.

تتشابه طرابلس بشكل مدهش مع نابلس، سواء في مورفولوجيا المدينتين أو في صناعة الصابون والحلويات العربية، وتشتركان في لقب "جبل النار"، الذي يدل إلى العصب العنيد في مواجهة الغزوات. فعبر المجال السهلي الذي يربط بين سلسلتي جبل لبنان وجبال العلويين، تلاحقت الغزوات والقوافل، منذ الفينيقيين، تلاهم الرومان ثم الصليبيون، وجيوش صلاح الدين الأيوبي ومن بعده المماليك، وأخيرا العثمانيون الذين جعلوا من طرابلس سنجقا تابعا لولاية بيروت. قبل أن يدخل الفرنسيون وتخوض طرابلس معركة الاستقلال، ليبدأ عدّ تنازلي جديد لأهمية طرابلس المدينية، لصالح بيروت بامتدادها الشمالي نحو جبل لبنان المسيحي، بعدما منحتها فرنسا المزيد من الامتيازات من خلال الخصخصة وازدهار المرافق الاقتصادية، وأهمها مرفأ بيروت على حساب مرفأ طرابلس الذي كان بابا لسوريا الوسطى والعراق وبلاد فارس على البحر الأبيض المتوسط.

طرابلس "اللبنانية"

تحضر هنا جين جاكوبز، وهي واحدة من أبرز فلاسفة العمران، في استنتاج يبدو متماهيا مع أهم سمات طرابلس، التي رافقت مصائرها على صورة نعمة ونقمة في آن واحد. "إن المدن أقدم من الأوطان وأكثر منها رسوخا"، تقول. فـ"مرسيليا أقدم من فرنسا". وطرابلس، على المنوال ذاته، أقدم من لبنان. لكن الكيان اللبناني الذي أعلن في عام 1920 نقل طرابلس من المتن إلى الهامش. ابتعدت طرابلس عن العاصمة بيروت، واقتربت أكثر وارتبطت بجارتها سوريا، بالوجدان والمصير والمصاهرات. وللجغرافيا أحكامها، فالمسافة من طرابلس إلى الحدود السورية تبلغ نصف المسافة منها إلى بيروت.

لكن الكيان اللبناني الذي أعلن في عام 1920 نقل طرابلس من المتن إلى الهامش. ابتعدت طرابلس عن العاصمة بيروت، واقتربت أكثر وارتبطت بجارتها سوريا

وطرابلس التي تضمر شعورا ثابتا بالمظلومية بسبب عاصمية بيروت، كانت "مدينة مجيدة، أكثر جمالا وأكبر من بيروت وصيدا"، هكذا رآها الرحالة والباحث الأوكراني فاسيل بارسكي في كتابه "رحلة إلى الديار المقدسة" حين زارها في القرن الثامن عشر. فقد كانت طرابلس المدينة، قبل أن تكون بيروت. وبقيت المدينة الأجمل، قبل أن تتدهور أحوالها وتصبح وفق دراسات أممية واحدة من أكثر المدن بؤسا على البحر المتوسط، إلى أن صار البؤس يصنع شهرتها ويرسم صورتها في العالم، كما الحال بالنسبة إلى اللبنانيين الذين لم يزوروها.

لا شيء حقّا يُعرّف طرابلس سوى جولة ميدانية فيها. الجهود الرسميّة غائبة تماما في هذا الشأن. مكتب وزارة السياحة اللبنانية في طرابلس يبقى مغلقا على مدار السنة، وحتى شركة الطيران اللبنانية روّجت لسنوات طويلة في كتيّباتها وأفلامها الدعائية لكلّ المناطق السياحية ما عدا طرابلس. الكلمة للإعلام ولما يتهادى إلى المسامع من أخبار متقطعة، ومعظمها يصبّ في مرمى الخطوط الحمر الأمنية واجترار رواية البؤس المكين، على الرغم من أنّ طرابلس العاصمة اللبنانية الثانية، وعاصمة محافظة الشمال، وتضم مقومات تنموية هائلة، لكن جميعها مشلول. من المرفأ إلى المطار إلى الملعب الأولمبي إلى مصفاة النفط وصولا إلى معرض رشيد كرامي الدولي. الأخير، وبفضل صبر وإصرار عدد من أبنائها النشطين والمدركين قيمته، صُنّف العام الماضي على "لائحة الأونيسكو للتراث العالمي"، وفي الوقت نفسه أدرج على "لائحة التراث المهدّد بالخطر".

انقطاع مع الحداثة

يجسد مآل معرض رشيد كرامي الدولي شيئا من أحوال طرابلس. مدينة سقطت عن سكّة الوقت فنبذتها الحداثة.

ينقضّ الاهمال المزمن على هيكل المعرض، ما لا يكافئ قيمته المعمارية والحضارية الباذخة التي تجسّد أيقونة للحداثة في القرن العشرين: هو بصمة المعماري البرازيلي العالمي أوسكار نيماير الوحيدة في الشرق الأوسط، وأكبر معلم مستقبلي لبناني. يشغل معرض رشيد كرامي الدولي على مساحة مليون متر مربع، المجال الرابط بين ميناء طرابلس وداخلها. كانت هذه الرؤية مقصد نيماير وشرارة حلمه، وهو القائل "لطرابلس قلبان: المدينة القديمة الملتفة حول القلعة الأثرية، والميناء. مشروع المعرض سيخلق نواة ثالثة".

ازدهرت حداثة طرابلس في القرن العشرين وتوقفت عندها. لا يمكن أن نسقط عن سجلّ المدينة أنها كانت من أقطاب السينما عربيا، وقوام هذه الميزة 41 دارا للسينما ازدهرت بين ثلاثينات وتسعينات القرن الماضي، مرورا بالخمسينات والستينات التي تمثّل العهد الذهبي للشاشة الفضّية. بعض أسماء دور السينما مستوحى من قريناتها في باريس (ركس، أوديون، بالاس، أوبرا، ماجستيك، وتريومف) وأخرى في القاهرة (القاهرة والأهرام). وفي حيّ شعبيّ بالقرب من "قهوة موسى" المعروفة والمزدحمة في شهر رمضان، يقع مسرح وسينما الشرق، وكذلك سينما النجمة والكواكب. وشغلت العديد من هذه الدور نوادٍ للسينما، فشكّلت مواعيد منتظرة في المدينة ووجّهت ثقافة جيلها الشاب.

لكن طرابلس مضت عليها عقود بلا دور للسينما ومسارح. أمّا مرافقها الثقافية مثل قصر نوفل المتميز بطرازه الايطالي ومسرح ومبنى الرابطة الثقافية التي تقيم معرض الكتاب السنوي، فكلاهما يقارعان الزوال بمحاولات مثقفي المدينة وجمعياتها الأهلية من خلال "التدبر" الذي صار أسلوب استمرار طرابلس في الحد الأدنى.

فرص ضائعة

يفيد هنا التذكير بأنّ ثروة طرابلس التراثية هي أيضا مهملة. بعض معالمها ينتهي إلى الهدم مثل مبنى السرايا العثماني. وفي عام 2010 لم تحل الحملات الشعبية المعارضة دون هدم "مسرح الإنجا" الذي لا تضاهيه بجمال بنيانه الأوروبي سوى أوبرا القاهرة، فخسرت طرابلس خزانا للذاكرة الفنية العربية، أقيمت فيه حفلات لسيد درويش وبديعة مصابني وأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وغيرهم.

مبانٍ سكنية تراثية تنهار على رؤوس السكان وأخرى تُهدم. وبعض المواقع يحظى بترميمات سرعان ما يتبين سوء تنفيذها.

هناك "خان العسكر" الذي كان من المقرّر منذ ثماني سنوات أن يتحوّل بعد ترميمه إلى مركز ثقافي ترعاه الدولة اللبنانية، وبعد أشواط من المشاورات والقرارات، بقي المشروع مجمّدا والخان مغلقا.

 

وتعاني طرابلس من صدمة "مشروع الإرث الثقافي"، الذي بدأ العمل به بداية الألفية الثانية بتمويل من البنك الدولي ورصدت له ملايين الدولارات، عملا على تحويل المنطقة القديمة حول النهر إلى قطب ثقافي ومنطقة سياحية ستكون برشلونة ثانية! لكن المشروع ابتلعه بؤس ما يحيطه، فتحول إلى بؤرة مكثفة من الفوضى والتشوهات، حتى تمنّى الطرابلسيون لو أنّه ما كان.

اليوم يتساءل أبناء المدينة عن تأخّر الاحتفالية. تشاطروا الخوف أن تُجهَض أيضا هذه الفرصة، خصوصا أنّ عوامل معاكسة بدت لهم في اختيار المنظمين بقرار من وزير الثقافة، وهم 205 أعضاء في 11 لجنة، منتقدين العدد من باب "إن كثر الطباخون احترقت الطبخة". كما لمسوا غياب أسماء عديدة كفوءة وفاعلة. ويغيب أيضا الوضوح في خصوص التمويل.

حملنا هذه الأسئلة إلى مستشار وزير الثقافة ورئيس اللجنة الوطنية للأونيسكو المحامي شوقي ساسين.

ينفي ساسين غياب البرنامج، فهناك "البرنامج الشامل الذي وضعه رئيس المجلس الثقافي للبنان الشمالي الراحل الدكتور نزيه كبارة، واستودعه رئيس مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، الدكتور سابا زريق. والبرنامج يحتوي على مقترحات في مختلف ميادين المعرفة والتنمية، وهو جدير باعتماده كما يمكن الإضافة إليه، وهذا مرتبط بالإمكانات المالية".

وعن تأخّر الفعاليّات، تميّز الوزارة بين مسألتين، "إطلاق الفعالية إداريا، واحتفال الافتتاح الرسمي".

يأخذ شباب طرابلس على الأكبر سنّا تمسكهم برفات الماضي وأنّهم لا يعيدون النظر في فهم الحاضر وتوجيه المستقبل

ويوضح "في خصوص المسألة الأولى: بتاريخ 18/5/2023 صدر عن رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 67/2023 المتعلق بتشكيل اللجنة المركزية التي تضم الإدارات الرسمية المعنية بهذه المناسبة، وذلك بناء على اقتراح وزير الثقافة بموجب كتاب صدر بتاريخ 26/4/2023. كما صدر عن وزير الثقافة بتاريخ 2/10/2023 القرار المنتهي إلى تعيين اللجان المتخصصة. هذا يعني أنه بات بإمكان اللجان المعينة البدء بإعداد ملفاتها منذ تعيينها".

ويضيف "أما في خصوص المسألة الثانية، فإن حفل الافتتاح الرسمي الذي سيدعى إليه وزراء الثقافة العرب، وضيوف رسميون آخرون، فقد تم التوافق مع الألكسو على أن يكون بعد انتهاء شهر رمضان الكريم وعيد الفصح الشرقي".

تؤكّد الوزارة، وفق ساسين، أنّها لم تتعمّد استبعاد أحد، فـ"تشكيل اللجان تم بعد سلسلة استشارات واجتماعات. وهذه اللجان غير مغلقة، وكل من يريد أن يساهم في إحياء الفعالية يمكنه أن يبادر. والوزير أبدى استعداده لتعديل قراره بإضافة أسماء أو لجان أو نشاطات، لأن الهدف هو المهم لا الآليات وحدها على أهميتها القصوى".

وفي خصوص النفقات، "وُضع تصور هو الآن قيد الدرس في الدائرة المختصة في منظمة الألكسو التي ستتولى تغطية جزء مهم من النفقات. وتقع مسؤولية على الحكومة اللبنانية أيضا، ولقد تسنى لي أن أشهد على جهود يبذلها وزير الثقافة مع بعض الجهات الصديقة والمنظمات الاغترابية، وكذلك رئيس بلدية طرابلس. ويبقى علينا نحن أهل الدار أن نهتمَّ كذلك، لأن انعكاس هذه الفعالية على المستوى التنموي لطرابلس سيكون كبيرا".

مدينة الممكن؟

يُقال عن طرابلس الجميلة، التي تحب نفسها والفخورة بنفسها، أنّها صارت جزءا من الماضي. طرابلس اليوم مدينة مُريّفة ومدينة تندثر ومدينة الغرباء. هكذا تراها "النخبة" من الجيل القديم تعبيرا عن عدم الرضا عن مآل المدينة، وتحيل ذلك على تفسيرات تآمريّة، ويستعيد أفراد هذه النخبة على الدوام تاريخها المنشغلين به، في حنين لتجسيد ما يعتبرونه أصالة مستقرّة. خطاب سئم منه شباب طرابلس، آخذين على الأكبر سنّا والمتمسكين برفات الماضي أنّهم لا يعيدون النظر في فهم الحاضر وتوجيه المستقبل. وهم بالتالي يتعسّرون في مساعدة المدينة في مواجهة سيرورتها المهمشة، أو تلك التي تضمر احتضارها الثقافي وفي كل الميادين، ويخفقون في تحديد وتحمّل حصتهم من المسؤولية في تدهور المدينة.

في الوقت نفسه، لا تزال هذه النخبة تتحلى بالمبادرة بقدر الممكن، فتحاول رتق التخلي الرسمي وتخلّي زعماء طرابلس الذين يمثّلون في محطات عديدة من تاريخها الحديث ذراعا للدولة في المدينة، رؤساء حكومة ووزاء ونوابا، ومنهم أثرى أثرياء المنطقة العربية والعالم.

هكذا تشكّل احتفالية "طرابلس عاصمة للثقافة العربية"، واحدة من الفرص الذهبية، من عيار ما لا يُعوّض. فرصة لتفرض طرابلس، وإن بصورة مؤقتة، حضورا قائما على التوكيد، فتستعيض به عن النفي، بما يحمله المنطق الدفاعي وغير المنتج. فطرابلس تنشغل منذ عقود بنفي السمعة الاختزالية التي وصمتها بالفقر والتطرف الديني، وذلك على حساب صون مزاياها والاشتغال عليها. فهل ستدفع الاحتفالية بالاستغناء عن هذه "العادة"؟ هذا ما ستحدّده المرحلة المقبلة.

المصدر: 
مجلة " المجلة"