تُعدّ العلاقة بين النساء والقضاء علاقة حديثة نسبياً في التاريخ الإنساني، فعلى صعيد العالم الإسلامي، لا تذكر المرويات التاريخية أي تفاصيل عن دور النساء في القضاء قبل القرن العشرين. وعلى الرغم من أن بعضهن لعبن أدواراً سياسية مختلفة، فإن عالم المحاكم ظل في جوهره عالماً ذكورياً، إذا صح التعبير. والأمر ذاته يمكن أن ينطبق على تاريخ المحاكم في أوروبا.
ومع تطور التعليم الحديث وظهور الحركات النسوية، شهد العالم تطوراً لافتاً في هذا الجانب، من خلال تزايد أعداد النساء في سلك القضاء، ما أثار أحيانا أسئلة مختلفة في الفكر الإسلامي، حول مدى أهلية النساء للحكم في قضايا مجتمعية. غير أن الواقع بدا أعقد من هذه الأسئلة النظرية، إذ لم تمنع كل الاعتراضات من حضور النساء في المحاكم وإدارتها. لكن كيف أدارت النساء المحاكم وقضاياها؟ في المدينة العربية.. ربما لا تزال الإجابة غير واضحة، حيث تندر الدراسات الميدانية في هذا الجانب لأسباب مختلفة، من بينها غياب البحث الاجتماعي، أو تركيز بعض الحركات النسوية على مسألة الحضور في حد ذاته، دون دراسة تأثير هذا الحضور على عالم العدالة ومؤسساته، وما إذا كان قد أسهم فعلاً في تغييره.
يُعَدّ لبنان من بين الدول العربية التي شهدت تزايداً تدريجياً في عدد القاضيات، حتى أصبحن يمثلن نحو نصف عدد المنتسبين إلى السلك القضائي، وأمام هذا التحول، حاولت السوسيولوجية اللبنانية عزة شرارة بيضون، والقانونية عزة الحاج سليمان، في كتابهما المشترك، دراسة ما إذا كان تزايد عدد النساء القاضيات، قد شكّل إضافة نوعية إلى مؤسسات القضاء.
اعتمدت الباحثتان على دراسة حالات من قضاء بعبدا في جبل لبنان خلال المدة 2014 – 2019، وطرحتا مجموعة من الأسئلة، مثل: هل قدّمت القاضيات مقاربة جديدة أو معنى مختلفا لمفهوم العدالة؟ وهل يمكن رصد ملامح مما يُعرف في الأدبيات النسوية بـ»أخلاقيات العناية» المرتبطة بالمفهوم النسوي للعدالة؟
أم أن القاضيات اللبنانيات ما زلن ملتزمات بمفهوم العدالة المجرّدة والحيادية ذات المنحى الذكوري؟ وكيف انعكس وجود المرأة القاضية على مسارات المحاكمات، أو على حيثيات القرارات الصادرة عن المحاكم وأحكامها؟
ترى الباحثتان أن الأدبيات التي تناولت النساء في القضاء، غالباً ما انشغلت بمسائل تتعلّق بحجم وجودهن في مجال ظل طويلاً ذا هيمنة ذكورية في العالم بأسره. وبتأثير طروحات حركات تحرر المرأة، طرحت النسويات أسئلة مشابهة لما طُرح في مواقع أخرى شهدت ضموراً في نسبة وجود النساء، وتمحورت هذه الأسئلة حول أسباب استبعاد النساء من المؤسسات القضائية والعوائق التي تواجه الراغبات في الانخراط فيها.
لكن في حالة لبنان، يُلاحظ أن النساء تجاوزن مرحلة التهميش التي ما زالت بارزة في بلدان مثل مصر، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد القاضيات قد يتجاوز عدد القضاة في غضون سنوات قليلة، بسبب بلوغ عدد غير قليل من القضاة الذكور سن التقاعد، وتزايد عدد المنتسبات إلى معهد القضاء. ومع ذلك، يتركّز وجود القاضيات في مجالات قانونية معينة، تُعدّ أقل أهمية في السلم الهرمي للقضاء، مثل القضاء الابتدائي، والتحقيق، والنيابة العامة التمييزية. وفي المقابل، لا تزال مواقع أساسية مثل هيئة التفتيش القضائي ذات أغلبية رجالية، ولم تعيَّن حتى الآن امرأة نائبة عامة تمييزية أو مالية، ولا حتى قاضية تحقيق أولى. كما أن القاضيات غالباً ما يُعيَّن في المناطق الحضرية، خصوصاً العاصمة ومحيطها، وهو ما يفسّره بعض الحقوقيين بارتباط «هيبة» القضاء في المخيال الاجتماعي بصورة القاضي الرجل، وغياب هذه الهيبة عن صورة القاضية لدى سكان الأطراف.
ما يميز دراسة الباحثتين هو اعتمادها على عمل ميداني ووثائقي طويل، شمل متابعة عشرات القضايا والملفات ومقارنة الأحكام بين القضاة الرجال والنساء.
فعلى صعيد زمن المحاكمة، ارتبطت فاعلية القضاء عادة بسرعة إنجاز العدالة، وعدم الإطالة في البت في النزاعات. ومن خلال اعتماد الباحثتين على 18 شهراً كأساس معياري للحكم على مدة القضية، تبيّن أن نسبة كبيرة من القضايا تجاوزت مدتها عشر سنوات، وغالباً ما أدارها قضاة رجال. في المقابل، فإن 36% من القضايا التي لم تتجاوز مدتها 18 شهرا كانت أمام قاضيات، مقابل 2.1% فقط أمام قضاة رجال. ويتيح هذا الاستنتاج القول إن أداء القاضيات كان أفضل على مستوى سرعة الإنجاز.
غير أن هذه النتيجة لا تسمح بالاستنتاج بأن القضاة رجال «كسالى» في مقابل قاضيات «نشيطات»، إذ إن عوامل أخرى تلعب دوراً مؤثراً، مثل الانتماء الجغرافي. فقد تبين أن القضاة (رجالا ونساءً) المنتمين إلى جبل لبنان كانوا أسرع في إصدار الأحكام مقارنة بغيرهم، ربما لاعتبار أن أداءهم يخضع لمساءلة أكبر من أبناء بيئتهم. كذلك، ظهر أن فترات تعيين القضاة تؤثر بوضوح، حيث إن 7.3% فقط من الرجال تغيرت مراكزهم خلال خمس سنوات، مقابل 47% من النساء. وطول بقاء الرجال في مواقعهم، ساهم في تعليق عدد من القضايا.
العنف الجنسي بعيون القاضيات:
أظهرت المقارنة بين قضايا حكم فيها رجال، وأخرى حكمت فيها نساء أن ثمة اختلافاً في طبيعة العقوبات، فالقاضيات عادة ما توجهن إلى الحكم بالغرامات المالية أكثر من الحبس، بينما القضاة الرجال فضّلوا عقوبة السجن. ويُعزى ذلك إلى أن القاضيات يضعن قيمة كبرى على الحرية الفردية، فلا يرون ضرورة لتقييدها بالحبس، ما دام الفعل لا يشكل خطراً عاماً. وحتى عند الحكم بالسجن، فإن النساء غالبا ما اخترن مدداً أقصر مقارنة بالرجال. وعلى الرغم من سنّ لبنان قوانين عديدة بشأن العنف الجنسي، تشير تقارير حقوقية إلى أن الاعتراف بهذه الظاهرة لا يزال محدوداً، خصوصاً في حالات مثل الاغتصاب الزوجي أو التحرش في الأماكن العامة وأماكن العمل. وقد لاحظت دراسة (ماري روز زلزل، 2016) أن الأحكام تميل أحيانا إلى إعادة إنتاج الصور النمطية حول جنسانية النساء والرجال، بحيث يُلقى اللوم على النساء ويُخفّف الحكم عن الجناة.
غير أن دراسة بيضون وسليمان، من خلال تحليل خمسة عشر حكماً صادر عن محاكم جنايات في بيروت وجبل لبنان، أظهرت صورة أكثر تعقيداً. فقد أبدت بعض القاضيات تعاطفاً مع ضحايا العنف الجنسي، مثل حالة قاصرة أُجبرت على الدعارة، ورغم محاولة المتهمين تبرئة أنفسهم، رأت القاضية أن الفتاة ضحية صدمة نفسية وقررت تبرئتها وتجريم القوادين وتشديد العقوبة عليهم. لكن في حالات أخرى، لم تُظهر القاضيات الانحياز نفسه. ففي قضية اتهام أب بالتحرش ببناته، حكمت قاضية بالبراءة لغياب الأدلة، متجاهلة إفادات القاصرات. في المقابل، أصدر قاضٍ رجل حكماً بإدانة متهم آخر في قضية تحرش، رغم إنكار المذنب وإسقاط المدعية حقها. وهو ما يشير إلى أن افتراض ميل القاضيات دوماً إلى الانتصار للضحايا النساء ليس دقيقاً، إذ تختلف مقارباتهن من حالة إلى أخرى. وعليه، فإن تفسير حضور النساء في القضاء لا يمكن ربطه فقط بالبعد الجندري، بل يتطلب مقاربة أكثر شمولاً تأخذ بعين الاعتبار التقاطعات بين الجندر، والطبقة، والانتماء المحلي، والمحددات المؤسسية. وهذا ما يجعل دراسة تجربة القاضيات في لبنان ـ وربما في العالم العربي عموماًـ موضوعاً مفتوحاً وضرورياً لمزيد من البحث الأكاديمي الجاد.