تخطي إلى المحتوى
يوميات مصلّحي الساعات: الألبان الشوام وصنعة التراث الإسلامي يوميات مصلّحي الساعات: الألبان الشوام وصنعة التراث الإسلامي > يوميات مصلّحي الساعات: الألبان الشوام وصنعة التراث الإسلامي

يوميات مصلّحي الساعات: الألبان الشوام وصنعة التراث الإسلامي

كان المؤرخ في جامعة شيكاغو أحمد الشمسي قد أصدر في عام 2020 كتابه المهم «إعادة اكتشاف التراث الإسلامي» الذي ناقش فيه دور الطباعة والتحقيق في تشكيل الأفكار داخل العالم المسلم. وقد فعل مركز نهوض خيرا عندما أصدر الترجمة العربية من الكتاب بعد ذلك بسنتين تقريبا. ما حاول الشمسي قوله هو أنه قبل ظهور عالم المطابع، كان المثقف الديني المسلم لا يعتمد في قراءاته على النصوص الإسلامية المبكرة، وإنما في الغالب جرى الاعتماد على كتابات وشروح، إذ لا نعثر في مكتبات علماء القرن التاسع عشر مثلا على كتب للأشعري أو الشافعي، وإنما على شروحات لهذه الكتب، وهي شروحات ستتحول مع مرور الزمن إلى نصوص مستقلة. وفي سياق قراءته لهذا الانفجار الذي جرى لاحقا على صعيد تحقيق كتب التراث، حاول الشمسي ربط ذلك بظهور شكل آخر من المثقفين المسلمين، يدعوهم بالعصاميين، الذين في الغالب جاؤوا من خارج المدارس الدينية التقليدية، ولعبوا دورا من خلال المطابع في الكشف عن مئات المخطوطات القديمة وإعادة تحقيقها. وفي هذا السياق درس بعناية جهود نخبة واسعة من المثقفين بداية من أحمد تيمور نهاية بأحمد محمود شاكر (ت1958) كما أولى اهتماما بدراسة دور بعض النخب الدمشقية، مثل طاهر الجزائري وجمال الدين القاسمي، مع ذلك ظل هوى الشمسي في الكتاب مصريا إن صح الاستنتاج، وهو تركيز كان قد وقع به باحثون كثر في سياق قراءتهم لكتابات الإصلاحيين في القرن التاسع عشر، حيث لاحظ مثلا إسحق وايزمن أن اهتمام الباحثين ظل منصبا على دور النخب الإصلاحية المصرية، بينما لم تول أفكار الإصلاحيين الشوام الاهتمام الكافي. وربما ما يدعم هذا الرأي في كتاب الشمسي أنه في مقابل الاهتمام بتجربة أحمد شاكر في الخمسينيات والستينيات، لم يلتفت مثلا لدور الألبان الشوام مثلا في خلق منعطف آخر على صعيد تحقيق التراث. وفي كل الأحوال، بالتوازي مع كتاب الشمسي، كان المؤرخ الكوسوفي/ السوري محمد م. الأرناؤوط قد أصدر كتابه في عام 2022 «هجرة الألبان إلى دمشق» الذي قدّم فيه رواية جديدة للسياقات الاجتماعية والتاريخية، التي جاءت بشخصية ناصر الدين الألباني، كما وفر لنا فهما أوسع للتعرف أكثر على الدوائر الثقافية واليومية، التي تحرك فيها هذا الرجل. لكن الارناؤوط لم يتوقف عند هذا الجانب، وإنما وعد قراءه بالمزيد من الأوراق والمصادر الجديدة التي توضح جوانب أخرى من حياة نخب ألبانية في دمشق لعبت دورا على صعيد حياة الأفكار في العالم العربي والإسلامي في العقود الأخيرة، وهذا ما حدث فعلا قبل أسبوع تقريبا مع إصداره الطبعة الثانية من كتابه السالف الذكر، الذي ضمنه ثلاثة أبحاث أخرى عن الألبان في دمشق، ولذلك ما يجمع عمل أحمد الشمسي مع النسخة الجديدة من كتاب الأرناؤوط، أن الأخير سيكشف لنا عن القصة المنسية من دور الألبان الشوام على مستوى صنعة اكتشاف كتب التراث.

قصة التحقيق الألباني الشامي

عمل ناصر الدين الألباني في مهنة تصليح الساعات في دمشق، ما أتاح له وقتا للقراءة، سواء في الدكان أو في المكتبة الظاهرية القريبة منه، وقد وقعت بين يديه أعداد مجلة «المنار» ومطبوعات المكتبة السلفية التي نبهته إلى أهمية علم الحديث، لكن التطور الأهم في مسيرة الألباني ستحدث مع عودة الشيخ زهير الشاويش من قطر، وتأسيسه في دمشق للمكتب الإسلامي عام 1958 بدعم سخي من أمير قطر الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني، ليتحول إلى مركز لتحقيق الكتب السلفية في بلاد الشام. وقد تعزز هذا الدور الجديد منذ بدايته مع انضمام الشيخين عبد القادر الأرناؤوط وشعيب الأرناؤوط له ليحتضن الانطلاقة الجديدة لمدرسة التحقيق الشامية.

في البداية كانت الشراكة مثمرة بين الشاويش والألباني، وهنا ينقل الأرناؤوط عن علي الطنطاوي مقولته «لولا زهير لما راجت آراء ناصر» في إشارة لدور المكتب على صعيد التعريف بأعمال وتحقيقات الألباني، فقد نشر المكتب الإسلامي المؤلفات الأولى للشيخ الألباني مثل «تحريم آلات الطرب» و»تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». وبدا أن مفهوم الشراكة يتراوح بين اقتراح الشاويش على الألباني تحقيق كتاب بعينه، كما ورد في مقدمة الألباني لكتاب «مختصر العلو للعلي الغفار» لشمس الدين الذهبي وغيره، أو المشاركة في العمل، كما هو الأمر مع تحقيق كتاب مساجلة علمية بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة، الذي ظهر على غلافه «تحقيق محمد عبد الناصر الألباني ومحمد زهير الشاويش» ومقارنة مع الألباني كان قدري بن صوقول عبدولي قد ولد في قرية في شمال غرب كوسوفو وهاجر عام 1931 بصحبة أبيه وعمه إلى دمشق، حيث اشتهر باسمه الجديد، عبد القادر الأرناؤوط ،وكان قدري ابن فلاح أمي، اضطر للعمل حطابا في دمشق وحظي في حارة الأرناؤوط بوجود الشيخ سليمان غاوجي (كان فقيها حنفيا سلفي النزعة) فالتحق به وتعلم عنده اللغة والقرآن وشيئا من الفقه الحنفي، والتحق عبد القادر بمحل الساعاتي الشيخ سعيد الأحمر لتعلم تصليح الساعات في سوق المسكية بالقرب من المكتبة الظاهرية، ومع نباهته في تعلم المهنة، لاحظ الشيخ الأحمر اهتمامه بتحصيل العلم، فألحقه بحلقة الشيخ محمد صالح الفرفور، الذي لازمه حوالي عشر سنوات تعلم فيها الفقه والتفسير والحديث، ما جعله مؤهلا للتدريس في المدرسة التي تخرج فيها (الإسعاف الخيري) ولحق به شعيب الأرناؤوط بعد تأسيس المكتب الإسلامي.

يذكر الأرناؤوط أن اندلاع الحرب العالمية الثانية أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في سوريا وتزايد الفقر بين الألبان، ما دفع بفكرة تأسيس جمعية تعنى بشؤونهم وتتولى رعاية المحتاجين منهم.

أما شعيب محرم الأرناؤوط فقد ولد سنة 1928، لكن في دمشق، لأب هاجر مع أخيه الشيخ عبد الرحمن من مدينة شكودرا أيضا في عام 1926، واضطر للعمل حطابا في دمشق مثل والد الشيخ عبد القادر الأرناؤوط. يشير الأرناؤوط إلى أن الثلاثة ناصر وعبد القادر وشعيب كانوا يعملون في قسم التحقيق موظفين برواتب محدودة. على حين أن المكانة العلمية للشيخ ناصر كانت تعطيه أفضلية وتجعل ما ينجزه خلال ساعات عمله في المكتب يصدر باسمه في الغلاف، مع المداخلات التي كان يقوم بها زهير الشاويش أحيانا ليضع اسمه، سواء في الغلاف أو الهوامش كما رأينا، إلا أن الأمر بقي مختلفا مع عبد القادر وشعيب اللذين اشتغلا سنوات طوالا وأصدرا أمهات الكتب المحققة التي أشهرت المكتب الإسلامي، مثل كتاب مصطفى السيوطي الرحيباني، «مطالب أولي النهى بشرح غاية المنتهى» 1961، صدرت الطبعة بغلاف لا يحمل أي اسم ودون تقديم يوضح من قام بتحقيق الكتاب، وكتاب ابن قيم الجوزية «زاهد المعاد في هدى خير العباد» المكتب الإسلامي 1965، وكتاب الإمام النووي «روضة الطالبين وعمدة المفتين».. إشراف الشاويش. وبسبب الشعور بالغبن آثر عبد القادر الأرناؤوط الاستقالة من «المكتب الإسلامي» في عام 1968 بعد أن وقّع على ورقة تفيد بعدم وجود حقوق له عند زهير الشاويش، بينما بقي هناك صديقه شعيب الأرناؤوط . وبعد اتفاقه مع ناشر جديد تفرغ أولا لتحقيق كتاب «جامع الأصول في أحاديث الرسول» لابن الأثير الجزري وتخريج أحاديثه. وسينعكس هذا على صعيد تحقيق كتب التراث، على سوق الكتاب نفسه، إذ أخذت تتأسس في دمشق دور نشر متخصصة في نشر كتب التراث. وهكذا نشرت له دار ابن كثير في دمشق في عام 1984 «مختصر شعب الإيمان» للقزويني، وأصدرت له دار البيان في دمشق «الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان». ومقارنة مع الألباني وعبد القادر الأرناؤوط، كان شعيب أرناؤوط أكثر انشغالا بالتحقيق الذي وصل إلى ذروته في النوع والكم، الذي تميز عمله بانفتاحه على الجيل الشاب وتدريبه لمجموعة منهم ساعدته في التحقيق، وأصبحوا لاحقا من المحققين المعروفين في بلاد الشام مثل محمد نعيم عرقسوسي، إبراهيم الزيبق، عادل مرشد وغيرهم، وهكذا نلاحظ كيف لعب المكتب الذي أسسه زهير شاويش دورا في استقطاب الشبان الألبان الشوام، وأيضا كيف ساهم الاهتمام بالتحقيق في نمو سوق دور النشر في مدينة دمشق.

دفتر جمعية… أوراق جديدة

الجديد أيضا في الطبعة الجديدة من كتاب الأرناؤوط، هو ظهور مصادر جديدة في دراسة واقع مدينة دمشق والجماعات المهمشة في داخلها، ومن بين المصادر التي جاء بها هذه الدفتر الخاص بأول جمعية أسسها الألبان في مدينة دمشق خلال الحرب العالمية الثانية. يذكر الأرناؤوط أن اندلاع الحرب العالمية الثانية أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في سوريا وتزايد الفقر بين الألبان، ما دفع بفكرة تأسيس جمعية تعنى بشؤونهم وتتولى رعاية المحتاجين منهم. وقد صدر في عام 1947 الكتيب الذي تضمن القانون الأساسي واللجنة الإدارية وأسماء المشتركين الذين يسددون الاشتراك بقدر ما يستطيعون، وهناك تفاصيل تتعلق بأسماء اللجنة الإدارية مثل، الحاج شوقي جمال الذي أدار مدرسة الإسعاف الخيري فترة طويلة، بينما انتخب نائبا له شوكت سليمان غاوجي الذي كان يمثل الرأي الداعي إلى توسيع نشاط الجمعية ليشمل تعليم الأطفال اللغة الألبانية، لكي يحافظ الجيل الجديد على التواصل مع بلاد الآباء وتراثهم. في المقابل كانت الغالبية من المؤيدين للشيخ ناصر الدين رفض ذلك بشدة، باعتبار أن العربية لغة الإسلام، وأن الألبان كرموا في الشام الشريف.

من الصور المهمة التي يلتقطها الأرناؤوط في سياق قراءته للكتيب، أن أسماء الالبان تبدو مختلفة عما عرفوا به في النصف الثاني للقرن العشرين. فقد جاء الألبان الى دمشق وعرفوا أولا بأسمائهم الأصلية التي كانت تجمع اسم الشخص واسم أبيه كنية له، شوكت سليمان بينما لا ترد كلمة أرناؤوط إلا مع ثلاثة أسماء فقط علي ارناؤوط ولطفي ارناؤوط وصبحي ارناؤوط. ويبدو أن هذا التحول نحو الكنية الجديدة ترافق مع الحصول على الجنسية السورية، وقيود النفوس الجديد وشمل معظم الألبان في دمشق. والمهم في الأوراق والذكريات المنشورة لألبان هاجروا لدمشق وعاشوا فترة عصيبة، هو أنها تتيح لنا فهم عوالم مهمشة في دمشق، فالكثير من الذكريات التي كتبت عن دمشق الخمسينيات نادرا ما سلطت الضوء على واقع لاجئي الحرب العالمية الأولى والثانية، كما أن من يقرأ هذه الذكريات اليوم من السوريين، لا بد من أن يشعر بأنه أمام مشهد قريب من مشهد ملايين اللاجئين السوريين وبداياتهم في المدن التي هربوا إليها. وبالتالي نحن أمام صورة جديدة عن حياة دمشق واللاجئين القادمين إليها، والأدوار التي أدوها على صعيد الحياة الثقافية وحتى السياسية والعسكرية في داخلها (مثلا مشاركة ضباط ألبان في حرب 1948) أو على صعيد افتتاح عدة مقاه في دمشق. ومن هؤلاء مرتضى بيرامي الذي افتتح مقهى قرب ساحة المرجة في دمشق، أصبحت مركزا لتجمع اللاجئين المثقفين، وبين الجيل الثاني من المهاجرين الألبان، ومن هؤلاء كان الشاب الصاعد في مجال الأدب عبد اللطيف الأرناؤوط، الذي كان يتردد على المقهى، فيسمع ويستعير بعض الجرائد والمجلات الألبانية لينشر في 1951 أولى ترجماته من الأدب الألباني إلى اللغة العربية ويجعل من دمشق لاحقا مركزا للتعريف بالأدب الألباني في العالم العربي.

المصدر: 
القدس العربي