تخطي إلى المحتوى
المجلات الثقافية: آخر الكائنات الورقية الحيّة المجلات الثقافية: آخر الكائنات الورقية الحيّة > المجلات الثقافية: آخر الكائنات الورقية الحيّة

المجلات الثقافية: آخر الكائنات الورقية الحيّة

مجلة ثقافية تطفئ شمعتها الثلاثين، دون توقف ولا انقطاع.. كان يمكن لخبر مثل هذا أن لا يلفت انتباه أحد، قبل سنوات، فهناك مجلات عمّرت طويلا مثل مجلة «الهلال»، التي تجاوزت مئة وسبعة وعشرين عاما (صدر عددها الأول سنة 1892). غير أن ثورة وسائل التواصل الاجتماعي صنعت عالما جديدا، أصبحت فيه المجلات الورقية ديناصورات منقرضة، وبدأت في الانطفاء واحدة تلو الأخرى.
فقبل سنة بالضبط أعلنت مجلة «الدوحة»، في بيان مقتضب عبر الفيسبوك، توقفها عن الصدور. ورغم أن البيان لم يذكر أسباب التوقف، إلا أنه من الواضح أن هذه المجلة الثقافية الرائدة لم تستطع المحافظة على وجودها، نتيجة ارتفاع كلفة التمويل، وفي ظل إعلام جديد له آلياته وقراؤه. وقد سبقت مجلة «الدوحة» إلى التوقف مجلات ثقافية مهمة كانت لها بصمتها الواضحة في المشهد الثقافي العربي مثل مجلة «الآداب» ومجلة «دبي الثقافية»، ومجلة «وجهات نظر».
راودني هذا الخاطر وأنا متجهة إلى مسقط للمشاركة في ندوة ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض مسقط الدولي للكتاب، تحت عنوان «مجلة نزوى ثلاثون عاما من الإنجاز الثقافي«. ولا يمكن لأي مهتم بالشأن الثقافي، مبدعا أو ناقدا أو أكاديميا أو حتى متابعا عاديا، أن ينكر الدور الريادي لهذه المجلة، منذ انطلاقتها قبل ثلاثين سنة. وقد كنت أتتبّع أعدادها وأنا طالبة في كلية الآداب في المنامة، إلى أن صارت تصلني بانتظام، حينما انتقلت للعمل إعلاميةً في دبي.
وقد فتّحَتْ عيني على كثير من القضايا الفكرية والأدبية والنقدية. وقرأت فيها نصوصا إبداعية شجعتني على نشر بعض قصائدي فيها. ولم يفْتَرْ حماسي لها، لأنني على ثقة أنني أجد في كل عدد جديد منها زادا فكريا وإبداعيا، بل وعونًا على الأفكار، التي ناقشتها في برامجي الثقافية المتعددة.
وفي الحقيقة إن أسئلة جوهرية راودت ذهني عن مصير المجلات الثقافية، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وهل هو أمر حتمي أن مصيرها الانقراض؟ أم إن تحولها من الوعاء الورقي إلى الوعاء الرقمي كفيل بإطالة عمرها؟ وقبل ذلك هل للقارئ الجديد، الذي تربى على التتابع اللانهائي للفيديوهات في السناب أو التيكتوك أو الفيسبوك، صبر على قراءة مواضيع من صفحات كثيرة، وهو الذي لا يصبر على «ريلز» يتجاوز دقيقة واحدة؟
وإذا كانت الصحف الورقية هي الأكثر تضررا من الإعلام الجديد، لأن الباحث عن الخبر لن ينتظر 24 ساعة ليقرأه منشورا في جريدته المفضلة، في الوقت الذي يمكن أن يصله آنيًّا عبر التطبيقات والمواقع، فهل المجلات الثقافية محظوظة من هذه الناحية، باعتبارها وعاءً ثقافيا يقف في الوسط بين الجريدة والكتاب؟
لست متفائلة كثيرا، فلكل عصر، كما يقال، دولة ورجال، وهذا عصر السرعة وسهولة الوصول إلى المعلومة، والقارئ الذي ينتظر صدور مجلته المفضلة شهرا كاملا، ليتابع رواية متسلسلة، أو مقالات متتابعة، كما كان يفعل متابعو «الرسالة» و«الثقافة» و«الآداب» و«فصول». والكاتب اختفى هو أيضا باختفاء مجلاته الأثيرة. وأنا متيقّنة من أن المجلات الثقافية، على الأقل من ناحية شكلها الورقي، آيلة للتوقف.. ألم يقل الشاعر سيف الرحبي إن كل عدد يصدره من مجلة «نزوى» يعتقد أنه العدد الأخير.
للأسف، هي مسألة وقت فقط، وليست نظرتي متشائمة، بل هي مبنية على واقع نشهدُه، يُؤيِّدُه ارتفاع كلفة الورق والطباعة والشحن، وتعقيدات التوزيع، من إجراءات بيروقراطية ورقابية أحيانا. وحتى لو حظِيتْ أي مجلة ثقافية بتمويل حكومي، سيكون ذلك مؤقتا، لأن التمويل من أي جهة جاء، ليس كرما حاتميا لا ينتظر مقابلا. وما شهدناه في السنوات الأخيرة من توقف مجلات خليجية ذات تمويل جيد، مثل «دبي الثقافية» أو ما ذكرناه عن مجلة «الدوحة» دليل على أن التمويل يطيل عمر المجلة، لكنه لا يضمن حياتها، فمزاج القارئ تغير، وطبيعة القراءات نفسها تغيرت.
قد يكون اعتماد المجلات الثقافية على صيغة إلكترونية، ومنها مجلة «نزوى» خطوة ضرورية، بما يتيحه هذا التحول من سهولة الوصول إلى القارئ بكبسة زر، والإمكانات البحثية في المقالات، وسهولة الأرشفة، وسرعة التصويب والتحديث. ولكن هل هذا كاف لإطالة عمر المجلات الثقافية؟ لا أعتقد ذلك. بل أرى أن الأوْلى إعادة النظر حتى في شكل المادة، التي تحملها المجلة الثقافية، باعتماد العنصر البصري أكثر، وملامسة اهتمامات جيل أصبحت ثقافته مختلفة، وإلا ستجد المجلة نفسها محصورة في مجموعة من المثقفين المتقاعدين، الذين ينتمون إلى عصر التلفزيون بالأسود والأبيض، ومعذرة عن قسوة التعبير.
السيوشيال ميديا فرضت على كل أوعية الثقافة من صحيفة ومجلة وكتاب وراديو وتلفزيون قاعدةً واحدةً حاسمة «تجددوا أو تبددوا». أي يجب إعادة نظر جذرية في الشكل والمضمون الرقمي، وليس الورقي، لأن الورقي شئنا أو أبينا يعيش على التنفس الاصطناعي، وما هي إلا مسألة وقت لنترحم عليه.
لم تسلم المجلات الثقافية بدورها أيضا من سطوة الرقيب، فكم من عدد صودر في هذا البلد أو ذاك، لأن كاتبا معينا من المغضوب عليهم نشر على صفحاتها. وكم من مجلة منعت من دخول هذا البلد أو ذاك، لأن القائمين عليها من جنسية بلدٍ هُم على خلاف معه. وإذا سلمت المجلة من هذا المطب، اعترضها سوء التوزيع، وهي مشكلة مزمنة في العالم العربي. فلولا معارض الكتب ما وصل الكتاب المشرقي إلى مغارب الأرض، والعكس صحيح. وعائق التوزيع في المجلة مضاعف. فيجب أن ينتظم وصولها للمشركين، هذا في حال انتظم صدورها، غير أن المشكلة، التي طرأت، لا تتعلق بالرقيب ولا التوزيع، ولا بأي مشكل تقليدي اعترض المجلات الثقافية، منذ وقت صدورها، بل هو مشكل وجودي يهددها، واغتال كثيرا منها. يتعلق بأمرين أحدهما أخطر من الآخر: التحول الرقمي وتغير ذائقة القارئ.
ولكن كما ذابت الأشكال الأدبية في بعضها، فنتجت عنها نصوص عصية على التصنيف، ما المانع أن تتخلى المجلات الثقافية عن شكلها التقليدي، فتصبح تفاعلية، تعتمد على الصورة والفيديو والتفاعل المباشر بين كاتب المقال وقارئه، بعيدا عن الصيغة التلقينية السائدة: الكاتب يلقي تعاليمه والقارئ يتلقّى، كالشيخ والمريد في الطرق الصوفية.
فهذا التأقلم أحد سبل استمرار ذلك الكائن الورقي الجميل، الذي يشبه الكتاب، لكنه أكثر حيوية منه، بما يحويه من صور وتعدد في المواضيع والأقلام. والذي كان في منتصف القرن الماضي وسيلة العبور الأكثر فعالية إلى عقل القارئ، فكتب طه حسين والعقاد والمازني وسلامة موسى وكل كبار الأدب والثقافة. آنذاك كانت تصدر ابتداءً متسلسلة على صفحات المجلات، ثم تجمع في كتب. لأن المجلة مضمونة الرواج، والآن أصبحنا نتفاجأ باختفائها فجأة، أو بإعلان من ناشرها يرجو من الجهات المسؤولة التبرع بوحدات من الدم أو الدعم، لا فرق، لضمان حياتها، مثل ما حدث مع سماح إدريس ووالده سهيل من قبل في مجلة «الآداب».
ولكن إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء لن يعيد الزمن المتفلت كالرمل ما بين الأصابع. وأذكر أنني قرأت قبل عشرين سنة مقالا للدكتور حسن مدن بعنوان «الدوريات أيضا تشيخ». ثم كتب بعد عشر سنوات من ذلك مقالا آخر بعنوان «الدوريات تشيخ وتموت أيضا». وهي حقيقة لا مفر منها ولا تنفعنا معها مكابرة.
أتمنى أن نحضر يوما ما الاحتفال باليوبيل الذهبي والماسي لمجلة «نزوى» وما يشبهها من آخر الجنود المتبقين على الساحة الثقافية، فما أضيق العيش لولا الأماني. وما يعزينا ويشعل جذوة الحنين فينا، إن كان هذا يمنحنا شعورا بالرضا، أننا عشنا زمنا كنا نقرأ فيه آخر قصائد درويش ونزار قباني وأدونيس، وأحدث مقالات إدوارد سعيد وصلاح فضل وجابر عصفور ومحمد جابر الانصاري، في مجلات ننتظر صدورها من شهر إلى شهر، بلهفة عاشق، يتطلع إلى طيف حبيبته. فلا أقل من أن نقول بفخر عشنا في زمن «فصول» و«أدب ونقد» و«الدوحة» و«الآداب» رحمها الله جميعا.

المصدر: 
القدس العربي