تخطي إلى المحتوى
من الصعايدة إلى أهل بورسعيد.. هكذا يمكن أن ترسخ السينما التمييز العنصري من الصعايدة إلى أهل بورسعيد.. هكذا يمكن أن ترسخ السينما التمييز العنصري > من الصعايدة إلى أهل بورسعيد.. هكذا يمكن أن ترسخ السينما التمييز العنصري

من الصعايدة إلى أهل بورسعيد.. هكذا يمكن أن ترسخ السينما التمييز العنصري

في يونيو/حزيران عام 2020، سحبت شبكة "إتش بي أو" (HBO) فيلم "ذهب مع الريح" (Gone with wind) الكلاسيكي المُنتج عام 1939 من جدول برامجها، بعد اعتراضات أُثيرت حول احتوائه مشاهد معادية للأميركيين من أصول أفريقية. جاء هذا القرار على خلفية الاحتجاجات المناهضة للعنصرية، التي اندلعت تزامنا مع مقتل المواطن الأميركي ذي الأصول الأفريقية "جورج فلويد"، على يد رجل شرطة أبيض.

"ذهب مع الريح"، المأخوذ عن رواية شهيرة تحمل الاسم ذاته للكاتبة الأميركية "مارغريت ميتشل"، الذي يروي قصة حب "سكارليت أوهارا" و"ريت باتلر" إبان فترة الحرب الأهلية الأميركية، لا يُعَدُّ الوحيد في قفص الإدانة، حيث تحفل هوليوود بأفلام مماثلة حاولت عبرها إعادة كتابة التاريخ، بما يقلل من فظاعة بعض القضايا مثل العبودية بوضعها في سياق رومانسي أو هزلي وغير ذلك، مما يخفف من وقعها. كذلك فإن السينما العربية لم تخلُ من مشاهد عنصرية، وإن لم تكن في معظم الأحوال مقصودة أو مع سبق الإصرار والترصد مثل هوليوود، وأغلبها كان يهدف إلى انتزاع ضحك المُشاهد، دون انتباه للأفكار التي تترسخ مع هذا الضحك.

أهل الجنوب والريف

نصيب الأسد في تلك المشاهد تناله السينما المصرية، ربما لكونها الأكثر إنتاجا والأبكر حضورا على المستوى العربي. وأول ما تبادر إلى الذهن هنا أعمال الممثل المصري "إسماعيل ياسين"، التي صوّرت الإنسان الصعيدي ساذجا من السهل خداعه، ولعل أشهر تلك الأفلام فيلم "العتبة الخضراء" من إنتاج عام 1959، حيث يوهم أحد المحتالين شابا ثريا أتى من الصعيد بأنه يملك ميدان العتبة وفي مقدوره أن يبيعه له.

ورغم مرور عقود طويلة، ظلت شخصية "الصعيدي" تتعرض للسخرية، غير المتعمدة ربما، في السينما المصرية، كما في فيلم "صعيدي رايح جاي"، الذي أُنتج عام 2001 من بطولة "هاني رمزي"، الذي يحتوي الكثير من المشاهد التي تسخر من عقلية الصعيدي، إلى درجة أن أحد أصدقاء البطل يقول إنه أتى كي يزور قريبا أُصيب بجلطة في المخ، ليتساءل البطل ساخرا: "جاله منين المخ ده؟"، كأنه ينفي وجود العقل من الأساس لدى الصعايدة.

لم تتغير تلك الصورة رغم بلوغ السينما المصرية عُمرا يقارب القرن، ويرصد تقرير صادر من المرصد المصري لمناهضة التمييز العنصري في يناير/كانون الثاني 2018 نحو 60 فيلما ما بين عامي 2007-2017، من إجمالي 120 فيلما منتجا في تلك الفترة، تسخر من ذوي البشرة السمراء، أو تحصرهم في أدوار نمطية كدور الخادم أو حارس العقار، وأغلبها مُصنَّفة بوصفها أفلاما كوميدية.

والمثير للدهشة أنه حتى الأفلام التي حاولت أن تتجاوز هذه الصورة، عبر تقديم رحلة صعود البطل الجنوبي الذي يصمد ويحارب حتى ينتصر، مثل فيلمي "الفتوة" للمخرج صلاح أبو سيف أو "البيه البواب" من بطولة أحمد زكي وغيرهما، اللذين أُنتجا في زمنين مختلفين، ساهمت في ترسيخ تلك الصورة النمطية عن أهل الصعيد بشكل غير مباشر، عبر تقديم البطل غرّا تائها في افتتاحية العملين، قبل أن يكتسب الخبرات والمعارف -فقط- عبر معاشرة أهل المدينة، كأن بيئته في الأساس مفرخة للسذج والمخدوعين.

ورغم أن السينما المصرية لا تُعَدُّ مسؤولة عن تأسيس هذه التمييزات، فإنها سايرت وساهمت في تزايد شعبية تلك الأفكار، التي يمكن القول إن أساسها يرجع إلى النكتة المصرية. في العاصمة، تُطلَق النكات على أبناء الريف، وأهل الجنوب، والصيادين في المدن الساحلية، والبدو، إلخ، وباختصار، لا يكاد يسلم أهل أي محافظة من تلك النكات.

يمكننا فهم ذلك السلوك المتجذر في المجتمع المصري، ليس فقط بوصفه نوعا من ولع المغلوب بالغالب، وتأثُّر المصريين بتفوق الحضارات الاستعمارية، وتكوُّن نظرة دونية تجاه كل ما يخالف هذا النمط الاستعماري المتمدن، ولكن أيضا بوصفه أحد أسلحة الفرد القاهري "ابن العاصمة" أمام النازحين من الأرياف والمناطق النائية، الذين ينافسونه على لقمة العيش، وفق نظرته، وبهذا الوصم والتلويح بسذاجة هؤلاء فإن بإمكانه كسب أفضلية لدى أرباب العمل، أي إن مركزية العاصمة تُعَدُّ أحد الأسباب وراء هذه الظاهرة.

من جانبهم، يربط باحثو علم الاجتماع نشوء النبرة الساخرة ضد أهل الجنوب بزمان الاستعمار الفرنسي، الذي حاول مرارا السيطرة على كامل صعيد مصر إبان الحملة الفرنسية وفشل. فبعد استيلاء نابليون على القاهرة وفرار الزعيم المملوكي "مراد بك" إلى الصعيد، أرسل "نابليون" أحد أفضل قادته الجنرال "ديزيه" في أثره، ورغم خوضه ما يقرب الأربعين معركة وارتكابه العديد من المذابح هناك، فإن الصعيد ظل خارج السيطرة، فيما اعترف "ديزيه" بذلك في رسالة إلى قائده "نابليون" قائلا: "إننا لن نكون سادة هذه البلاد، لأننا إذا أخلينا بلدة لحظة واحدة من الجنود عادت إلى حالتها القديمة".

من الصعيد إلى بورسعيد.. العنصرية المخبأة تحت السطحلم يكن الصعايدة وحدهم هم الذين ظلمتهم السينما في مصر، فهناك مدينة مصرية نالت حظها من التشويه غير المقصود، والمفارقة أن ذلك حدث على يد واحد من أهم التيارات في تاريخ السينما المصرية.

كانت بداية تيار ما يُعرف بـ"الواقعية الجديدة" في السينما خلال خمسينيات القرن المنصرم، على يد مخرجين روّاد مثل صلاح أبو سيف وهنري بركات وتوفيق صالح، لكن الأحداث السياسية والاجتماعية في ذلك الوقت حالت دون تثبيت جذوره بشكل واضح، كي يعود مع جيل جديد من المخرجين، أبرزهم: عاطف الطيب، ومحمد خان، وداوود عبد السيد، وخيري بشارة، بعد سنوات ضباب سينمائي امتدت بين هزيمة عام 1967، وصولا إلى معاهدة كامب ديفيد نهاية السبعينيات.

ومثل تيار الواقعية الإيطالي، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، مع سينمائيين مثل "روسيلليني" و"فيسكونتي" و"فيتوريو دي سيكا"، كان المكان والمهمشون أيضا أبطالا للعمل السينمائي في تيار الواقعية المصري. وغالبا ما يحضر المكان باعتباره مساحة سحق وقسوة، لكنه لا يخلو في الوقت نفسه من حنين ومحبة وولادة أمنيات.

في فيلم "الحريف"، الذي أخرجه محمد خان عام 1981، يركض بطل الفيلم فارس (عادل إمام) في حارات ومتاهات القاهرة، العاصمة المليئة بالقصص، القاسية الحانية على الأبناء وفق الحظ والمزاج. فارس لاعب كرة القدم، المتمرد والمطرود من جنة النادي الرسمي، الذي اختار الهبوط إلى الأرض كي يلعب "الكرة الشراب" وينتزع لقمة العيش يوما بيوم.

في أحد المشاهد يزوره صديق من محافظة بورسعيد، الواقعة شمالا على حوض البحر المتوسط، يدعوه إلى لعب مباراة هناك، حيث تجري مراهنة ما بين مجموعة من التجار، وكان استدعاء فارس إلى أحد الفريقين يضمن له النصر، غير أن فارس يتلاعب بالنتيجة، "يبيع" المباراة ويتعمد الخسارة، ونكتشف أنه عقد اتفاقا مع التجار المنافسين لفريقه ليظفر ببعض المال، يلومه الصديق ويردد أن فارس خذله، فيما يجيبه فارس: "سيبك منهم دول أصحاب بوتيكات (متاجر) مع بعض".

لم يكن هذا المشهد عن بورسعيد في فيلم "الحريف" متفردا في السياق، فقد صوَّرها مخرجو الثمانينيات بوصفها متاهة تجارية في عدة أفلام، لعل أبرزها فيلم "المشبوه" من إخراج سمير سيف. في تلك الفترة كانت هناك إدانة لسياسات الانفتاح التي أقرَّها الرئيس الراحل السادات، تلك السياسة التي شغلت النخبة المصرية آنذاك، واعتبروها ثمرة فاسدة شوهت المجتمع المصري. وقد ارتبطت مدينة بورسعيد، التي مثَّلت سوقا حرة ومحطة تجارية، في الأذهان بتلك السياسات، وبدا أن اختزالها بوصفها رمزا ومن ثم إدانته على الشاشة كان أشبه بإطلاق صرخة احتجاج غير واقعية، دون النظر إلى تبعات ذلك من تكوُّن نظرة سلبية طويلة الأمد تجاه المدينة.

في فيلم آخر هو "سواق الأتوبيس" إنتاج عام 1982، من إخراج عاطف الطيب وبطولة نور الشريف، جرت مناقشة آثار الانفتاح على المجتمع المصري بلا مواربات، عبر تتبع رحلة حسن سلطان، سائق حافلة هيئة النقل العام، بينما يحاول بشتى الطرق إنقاذ ورشة أبيه المتخصصة في صناعة الأخشاب، بعد غرق الورشة في الضرائب والحجز عليها. الورشة التي ربما يرمز بها صانعو الفيلم إلى حال الصناعة المحلية وتدهورها آنذاك جراء السياسة الانفتاحية. وفي سبيل الإنقاذ، يطوف حسن طالبا عون شقيقاته المتفرقات في المدن المصرية، والمتزوجات من تجّار أثرياء.

المحطة الأولى لحسن كانت أيضا مدينة بورسعيد، هناك منزل الشقيقة سميحة وزوجها البرنس. ومنذ دخول حسن إلى البيت ترصد العدسة كمًّا مهولا من البضائع المهرّبة، متراصة في كل شبر وزاوية وتكاد تخنق أهل البيت، بينما الاستهلاكية تتصدر المشهد؛ المائدة عامرة بأطعمة تفيض عن الحاجة والمشروبات أجنبية الصنع، وصهره البرنس يرفض المساعدة، والمدينة الباسلة، ذات الدور البطولي النضالي في عدوان 56، تُختزل مجددا عنوانا للسياسة المرفوضة في الثمانينيات وتُوضع في قفص الاتهام.

ظاهرة عابرة للحدود

وفيما يبدو، فإن ظاهرة تنميط بعض المجتمعات "الأكثر تهميشا" على شاشات السينما لا تقتصر عربيا على مصر وحدها. ففي تونس، كان مسلسل "نسيبتي العزيزة" مثار جدل، بعدما رأى البعض أن العمل يتعمد التهكم على اللهجة الصفاقسية الجنوبية من خلال شخصية "خميسة"، التي جسَّدتها الممثلة سماح الدشراوي. طالت الانتقادات أيضا زيَّ الشخصية المبهرج وشعرها المشعث والأصباغ حمراء اللون التي ملأت وجهها، ومثل تلك الأشياء التي توحي بقصور في فكر القادمين من الريف.

تعليقا على ذلك، يرى الكاتب التونسي نور الدين بالطيب أن الأعمال الدرامية التي حوّلت أهل الأرياف إلى موضع سخرية تُعيد التذكير بخطاب ممجوج تروجه الأعمال التونسية منذ السبعينيات، تزامنا مع ظاهرة الهجرة الداخلية أو ما عُرف بالنزوح بعد فشل تجربة التعاضد بين قطاعَيْ الفلاحة والتجارة التي قادها الوزير القوي في عهد بورقيبة أحمد بن صالح سنة 1969، وما ترتب عنها من "نزوح جماعي نحو العاصمة وانتشار الأحياء القصديرية التي أصبحت أحزمة للفقر والغضب بسبب انعدام الشروط الدنيا للحياة فيها".

لا يقف الأمر على حدود تونس ومصر، حيث نجد في الدراما الجزائرية النهج ذاته، ويُعَدُّ فيلم الكوميديا "رحلة شويطر"، الذي أنتجه التلفزيون الجزائري عام 1976، من بطولة حسن الحسني ومحمود عزيز، أحد الأمثلة التي طالتها الانتقادات بسبب اتخاذه عادات ولهجات القرويين مادة للتندر.

المشكلة الرئيسية في كل ذلك أن هذه المشاهد والأنماط لا تبقى حبيسة الشاشات، ولكنها تترسخ في الواقع المَعيش وتصم مجتمعات بأكملها. تعليقا على هذا الأمر، تُشير نانسي وانج، أستاذ مساعد علم الاجتماع بجامعة بيولا الأميركية، إلى أنه عندما يكون هناك نقص في الاتصال بين المجموعات المختلفة، يميل الناس إلى الاعتماد على الصور النمطية لوسائل الإعلام لصياغة أفكار حول الأشخاص خارج عِرقهم. وساعتها، "يمكن للصور المقدَّمة على أنها ترفيه أن تُحرِّف الطريقة التي يفهم بها المشاهدون طبيعة الناس ويُصنِّفون من خلالها الأشخاص".

المصدر: 
الجزيرة